اليقظة الأبدية .. حين تحترق المرأة
نعيمة بنت راشد البلوشية
في عالمٍ لا يعرفُ الكفَّ عن الدوران، تعيشُ المرأةُ حالةً من اليقظةِ الأبدية التي لا تهدأ، ولا تمنحُها لحظةَ غفلةٍ عن تفاصيلِ الحياة. ليستْ تلك اليقظةُ مجردَ انتباهٍ للحظاتِ العمرِ العابرة، بل هي حالةٌ وجوديّةٌ تتغلغلُ في أعماقِ النفسِ، فتصبحُ المرأةُ مرآةً صافيةً لكلِّ ما يدورُ حولها، وراداراً حساساً يلتقطُ أدقَّ الإشاراتِ التي قد تعجزُ العيونُ عن رؤيتها.
تحملُ المرأةُ على كاهلِها حملاً لا يُرى، حملاً أثقلَ من صخرةٍ، وأخفَّ من نَسيمٍ؛ إنه حملُ التفاصيلِ الصغيرةِ التي تشكّلُ الحياةَ كلَّها، حملُ المشاعرِ التي لا تُقال، والأحلامِ التي لا تُصبح، والوجعِ الذي يُدفنُ في صمتٍ مهيب. هذا الحملُ الخفيُّ هو ما يُنهكُها حقاً، لا الأعباءُ الظاهرةُ ولا المسؤولياتُ المعلنةُ التي يتسابقُ الجميعُ لتعدادِها.
في صباحاتِها الباكرةِ، تستيقظُ المرأةُ قبلَ شروقِ الشمسِ، ليس لتُعدَّ وجبةَ الفطورِ فقط، بل لتتأكدَ من أنَّ الدنيا كلَّها بخيرٍ، وأنَّ من تُحبُّ قد ناموا ملءَ جفونهم، وأنَّ الحياةَ تمضي كما يجبُ أن تمضي. هي تديرُ بتفانٍ عجيبٍ توازنَ العلاقاتِ، وتُصلحُ ما يفسدُ من خيوطِ المحبةِ، وتلملمُ شتاتَ القلوبِ التي قد تتناثرُ في زحامِ الأيام.
هي في حالةِ مراقبةٍ عاطفيةٍ دائمةٍ لا تعرفُ الكللَ؛ عيناها ترصدانِ التفاصيلَ الصامتةَ: نظرةً حزينةً في عينِ طفل، صمتاً مطبقاً في صوتِ زوج، ارتباكاً خفيفاً في مشيةِ أمٍّ كبرتْ. تقرأُ ما بينَ السطورِ التي لا يكتبُها أحدٌ، وتفهمُ الصمتَ قبلَ أنْ ينطقَ، وتُدركُ الحاجةَ قبلَ أنْ تُطلبَ. إنها لغزٌ معقّدٌ من الحساسيةِ والوعي، تعيشُ في عالمٍ موازٍ لعالمِ الآخرين، عالمٍ مليءٍ بالإشاراتِ والدلالاتِ التي لا يراها سواها.
وتظلُّ المرأةُ واقفةً أمامَ مرآةِ روحِها، تُمعنُ النظرَ في وجهها الذي أنهكتْهُ الأيامُ، وتسألُ في صمتٍ: “هل رأى أحدٌ هذا التعبَ؟ هل لمسَ أحدٌ هذا الحملَ؟” لكن السؤالَ يبقى معلقاً في الهواءِ، دونَ أنْ يجدَ صدىً في قلوبِ من حولها. فالجميعُ يعتادونَ على حضورِها المضيء، على طاقتِها التي لا تنضبُ، على عطائِها الذي لا يتوقف، وكأنها كائنٌ أسطوريٌّ لا يحتاجُ إلى راحةٍ، ولا يشعرُ بالتعبِ.
إنها تحترقُ لكي تُضيءَ، وتُهملُ ذاتَها لتُسعدَ الآخرين، وتظلُّ منتبهةً لكلِّ شيءٍ صغيرٍ وكبيرٍ، بينما لا أحدَ منتبهٌ لها. تتساقطُ منها شراراتُ العطاءِ في كلِّ اتجاه، وهي تشتعلُ بهدوءٍ كشمعةٍ في ليلةٍ عاصفة، تحاربُ الريحَ بلهيبِها الرقيق، وتصرُّ على أنْ تبقى مضاءةً حتى ولو كان ذلك على حسابِ بقائِها.
يا لها من يقظةٍ أبديةٍ، يا لها من مرارةٍ في أن تكونَ المرأةُ هي التي تسمعُ كلَّ الأصوات، وتفسرُ كلَّ الصمتِ، وتشعرُ بكلِّ نبضةٍ في قلبِ من تحب، بينما لا تجدُ من يسمعُ نبضَها المتعبَ، ولا من يرى دموعَها التي تذوبُ في ملامحِ ابتسامتِها الصامدة. إنها مأساةُ الأنثى التي تتعلمُ منذ نعومةِ أظفارِها أن تكونَ قويةً لأجلِ الآخرين، وأن تكونَ يقظةً لأجلِ من تحب، حتى تصبحُ اليقظةُ جزءاً من كيانِها، وحالةً دائمةً لا تنفكُّ عنها.
غيرَ أنَّ في هذا الحرقِ المستمرِّ جمالاً لا يُدركُه إلا من عاشَ معنى العطاءِ النقيَّ. في احتراقِ المرأةِ ونبلِ صمتها، تتجلى بطولةٌ لا تُرى، وقوةٌ لا تُحصى، وحبٌّ لا يُقدَّرُ بثمنٍ. هي أيقونةُ الصبرِ، ونموذجُ التضحيةِ التي لا تنتظرُ تقديراً، ولا تبغي مقابلاً. تحترقُ لتضيءَ الدروبَ لمن تحب، وتذوبُ كي ترويَ عطشَ الحياةِ في عيونِ من حولها، وهي في كلِّ ذلك تبقى شامخةً كالقمرِ في ليلةِ البدرِ، يضيءُ ولا يبالي بظلامِ الليلِ حوله.
نعم، هي يحترقُ لتضيءَ، وتُهملُ ذاتَها لتُسعدَ الآخرين، وتظلُّ دائماً منتبهةً لكلِّ شيء… بينما لا أحدَ منتبهٌ لها. وفي هذا التناقضِ الأبديِّ، تكمنُ عظمةُ المرأةِ، وعبقريتُها الفريدةُ في فنِّ العطاءِ دونَ حدود.
فليكنْ هذا المقالُ وقفةً تأمليةً مع كلِّ امرأةٍ تحترقُ في صمت، ودعوةً لكلِّ إنسانٍ لأنْ ينتبهَ إلى تلك اليقظةِ الأبديةِ التي تعيشُها الأنثى، ولأنْ يمدَّ يدَ الشكرِ والتقديرِ إلى تلك الروحِ التي تضيءُ حياتَنا دونَ أنْ تطلبَ منَّا مقابلاً.



