اللغة الخالدة .. (قصة قصيرة)

سليمان بن حمد العامري
ملتقى اليوم العالمي للغة العربية / في مدرسة النعمان للتعليم الأساسي
في الثامن عشر من ديسمبر، أو كانون الأول كما تسميه بعض الدول العربية، وقف على باب المكتبة المفتوح شاب يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، متنهّدًا، وقال:
عجبًا لك يا أبي…
ماذا جنيت من حبك لهذه اللغة؟
ها نحن فقراء، ولا نملك من المال شيئًا…
لم يجبه الأب في البداية.
خفض رأسه، وكأن الكلمات نزلت عليه كحمم البركان، تحرق غيرته الدفينة على اللغة العربية.
ثم رفع بصره ببطء، وفي عينيه دمعة أراد أن يخفيها، وقال بهدوء وفي صوته ارتجاف:
اصمت… ولا تزد حرفًا.
عندها سكت الابن طويلاً.
مرر يده على رفوف الكتب،
توقف عند كتاب قديم اصفرت أطرافه،
تنفس بعمق، ثم قال بصوت مكسور لم يألفه الابن من قبل:
لسنا فقراء يا بني بحبنا لغتنا الأم…
وإنما الفقير من لا يعرف هويته ولا تاريخه.
وسكت لحظة، ثم أضاف، وعيناه تلمعان:
يا بني، اللغة العربية كنز ثمين أنزله الله علينا….
ثم أشار إلى كتبه التي تملأ رفوف المكتبة وقال:
العربية ليست كلامًا يقال،
بل هي نظام خفي،
وسر لا يعطي نفسه دفعة واحدة.
إنها لغة إذا تغير فيها حرف، تغير المعنى…
وربما تغير الإنسان.
أعطى ابنه كتابًا،
وكانت يداه ترتجفان قليلاً، وقال:
اقرأ… الصفحة الأولى فقط..
قرأ الابن… أن أسرار الكون كلها تختبئ بين حروف العربية،
تلك اللغة التي تمتلك ما يزيد على اثني عشر مليون مفردة،
وأنها لغة الإعجاز القرآني،
ولغة أهل السماء، وأهل الجنان.
وكان يواصل القراءة مندهشًا،
بينما كان الأب ينظر إليه،
وكأنه يرى نفسه فيه بعد سنين طويلة.
رفع الابن رأسه،
وكان صوته أهدأ من قبل:
يا أبي…
علمني كيف أعيش بها وتكون مسكني…
لم يجبه الأب فورًا.
ودموع أغرقت عينيه،
ثم مسح دمعة سقطت دون إذن، وقال:
أحببها بقلبك…
ثم دعها هي تعلمك.
فاللغة الخالدة لا تغلق أسرارها،
ولا تنال إلا لمن سعى إليها.


