الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

قرية الرَّوضَة بين جَمال الحاضر وعراقة التاريخ…الجزء الأول

ثاني بن مبارك الحبسي

تُعَدُّ قرية الرَّوْضَةِ إحدى القرى التابعة لنيابة سَمَدِ الشَّأنِ بولاية المضيبي، وتُعدُّ من أكبر القرى مساحةً على مستوى الولاية.

تقع القرية في أقصى شمال الولاية، وتحدُّها السلاسل الجبلية من جهتي الشرق والغرب بشكل خطَّيْن متوازيَيْن.

وقد حَبَا اللهُ قريةَ الرَّوْضَةِ بالعديد من النعم والعطايا، ومن أبرزها نعمة وفرة المياه. ومن المهم هنا الإشارة إلى سبب تسمية القرية بهذا الاسم؛ حيث يُرْوَى عَنِ الآباءِ والأجدادِ أن السَّبَبَ يعود إلى وفرة المياه فيها منذ القِدَمِ، وانتشار الزراعة على نطاق واسع، مما جعل منها مكاناً خصباً ومُطْمَئِنّاً للعيش بفضل توافُر تلك المقومات الأساسية.

وتتميز قرية الروضة بتنوع تضاريسها؛ فهي تجمع بين السهول الريفية والأودية من جانب، والبراري والجبال من جانبٍ آخر. ويُضفي هذا التنوع على القرية جمالاً أخّاذاً يزيد من شعور الزائر بالراحة والاطمئنان.

ويجري في قرية الروضة واديان رئيسيان هما: الوادي الشرقي والوادي الغربي، ويشكّلان مسارين منفصلين يلتقيان في نهاية القرية من جهة الجنوب ليكوِّنا معاً وادياً واحداً يُعرف باسم “وادي الروضة”. ويُغذَّى كلا الواديين بشبكة من المسيلات المائية والمصبات التي تتدفق فيها المياه عند هطول الأمطار.

أما أهم المسيلات المائية الرافدة للوادي الشرقي فهي: “وادي المسفاة” من الشمال، وجبال “وريد” من الشمال الشرقي، ومسيل “سليل عبيد”، وجبال “مِلبا”، وجبل “السُّودية”، وكلها من جهة الشرق.

في حين أن أهم المسيلات الرافدة للوادي الغربي فهي: “وادي الوارية” و”وادي المعيدن” من جهة الشمال الغربي، ومسيل “الرَّام” ومسيل “زِكت” ومسيل “الغزل” و”وادي سقم”، وجميعها من جهة الغرب.

وممّا يُميّز الوادي الشرقي في قرية الروضة وجود أشجار القَرَط على جانبيه على امتداد أكثر من كيلومترين، وهي تُعَدُّ من الأشجار المعمِّرة في القرية. إنّ السير بين جنبات “الوادي الشرقي” تحت ظلال تلك الأشجار يُثير في نفس الزائر شعوراً بالراحة والطمأنينة، فيعيش مع جمال الطبيعة بكل تفاصيلها.

أمّا الريف، فيشكّل المساحة الأكبر من أراضي القرية، حيث تتجلى الطبيعة الخلابة. ولِحَياة الريف في قرية الروضة طابعٌ فريد؛ فهي تجسّد الجمال الأصيل وتوفر الراحة والانسجام. كما يُشكّل هدوء الريف بديلاً مثالياً عن زحمة الحياة وضجيجها، وملاذاً آمناً يجد فيه المرء بغيته للاسترخاء والاستمتاع بالمناظر الخضراء الجميلة. وصوت خرير المياه الذي تترنم به السواقي مُشكّلةً لحناً يُطرب السامع.

وتتنوع المزروعات في أرياف القرية، لا سيّما أشجار النخيل والحمضيات والمانجو والموز والعنب. وجدير بالذكر أن قرية الروضة تشتهر بزراعة العنب منذ القِدَم وحتى الآن. دعماً لهذا القطاع الحيوي، أُقيم مهرجان العنب الأول في القرية بقاعة فريق الفرسان الرياضي خلال الفترة من 19 إلى 20 يونيو 2023م؛ حيث شمل المهرجان عرض أصناف عديدة من العنب، إلى جانب بعض المنتجات الزراعية الأخرى. وتبعه إقامة مهرجان العنب الثاني في نفس الموقع خلال الفترة من 16 إلى 17 يونيو 2025م.

وما يُميّز حياة الريف في قرية الروضة هو التقاء قمم النخيل والأشجار في علوّها، حاجبةً أشعة الشمس، ومُكوّنةً ظلالاً واسعةً يُمكن للزائر أن يسير في كنفها لمسافات طويلة حتى في منتصف النهار دون الشعور بحرارة الشمس. وكم يستمتع الزائر أثناء تجواله بين مزارع القرية وهو يشاهد ثمار أشجار الموز والعنب تتدلّى وكأنها لوحة فنية أبدع الخالق في صنعها.

وفي الجانب الآخر من أطراف القرية، يُتاح لك متنفس آخر؛ حيث البراري الممتدّة بما لا تُدركه العين، والتي تدفعك للمشي فيها، لاسيما في وقت المساء. هناك تستنشق عبق الهواء الطبيعي، مستمتعاً بمنظر أشجار السمر والسدر والغاف، بالإضافة إلى مختلف الأعشاب والنباتات الصغيرة. كما تُعد تلك البراري مكاناً مثالياً للرحلات العائلية، خصوصاً عند اعتدال الجو بين فصلي الصيف والشتاء.

وفي الجانب الريفي من قرية الروضة، أطلق السكان القُدامى عدة تسميات مختلفة على بعض الأحياء السكنية، وهو ما يُعرف محليًّا بـ”الـحِلَّة”، وهي عبارة عن تجمعات سكانية في مكان محدد. وعلى هذا الأساس قُسِّمت قرية الروضة إلى مجموعة من الأحياء، وهي: حي الجامع (نسبةً لجامع نور الدين السالمي الموجود بالقرية)، والعَلو، والغُبرة، والجَوابِر، وأولاد ضِنين، والحريقة، وحِلَّة السوق، وعَوَابي السُّكّر، والمِطراح، والمِصباخ، والمُطور، والسِّلاهج، والغَزْل، ويختتمها حي البَلِيدة الواقع في أقصى جنوب القرية.

كذلك من أرياف قرية الروضة يوجد “سَقُو الدِّريز”، وهو عبارة عن مجموعة من المزارع المترابطة والممتدة لمسافات طويلة، وقد سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى فلج “الدريز” الذي يُعد المصدر الرئيسي للري فيها. وفي هذا الجزء أيضاً أُطلقت بعض التسميات على الأماكن التي تضم تلك المجموعات من المزارع، وأشهرها “الحشاة” و”الرويشية”، إضافة إلى بعض التسميات الأخرى.

ومما لا شك فيه أن تلك التسميات التي أطلقها الأجداد على الأماكن لم تأتِ من فراغ؛ فوراء كل تسمية مناسبة أو حدث ما ارتبط بالمكان، فأصبحت التسمية تخليداً للحدث، وتمييزاً للمكان.

وفي الجانب الآخر، توجد التضاريس الجبلية التي تحيط بالقرية، وتشكّل سياجاً طبيعيّاً يعمل كمصدّات للرياح العاتية، إضافة إلى قيمتها الجمالية. كما لا ننسى أيضاً أن تلك الجبال كانت توفر حماية أمنية للسكان منذ سنين، لا سيما في زمن الحروب والاضطرابات الداخلية.

وإن كنتَ من هواة تسلق الجبال، ففي جبال قرية الروضة ستجد وجهتك. حيث يُعَد جبل “السُّودية” من أعلى القمم الجبلية في القرية؛ إذ يصل ارتفاعه إلى ما يقارب 200 متر فوق مستوى سطح الأرض، ويُعد تسلقه مغامرةً نظراً لوعورة تضاريسه وخطورته. وإذا ما اعتليت تلك القمة، فسترى القرية بأكملها من الأعلى وكأنها بقعة صغيرة نظراً لعُلوّه الشاهق.

يُتبع…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights