رباطٌ على قلبٍ مثقل٠٠
عائشة بنت حمد الوهيبية
أطاحت بي مصيبة عظيمة، فشلّت عقلي عن التفكير، وهوت بي في بئرٍ سحيقة لا قاع لها. كنتُ أسمع جلبة الدنيا من فوقي كأصداء بعيدة لا تصل إليّ، أرى الناس حولي كالأشباح، أسمع كلامهم ولا أعيه. كنتُ غصنًا مكسورًا، وسراجًا منطفئًا، وجسدًا غادرتْه الروح.
في اليوم الأول، تهاطلت رسائل التعزية كالمطر، لكنه كان مطرًا جافًا بلا ندى. وفجأة، جاءتني رسالة من عزيز يقول فيها: والله لا أعرف كيف أواسيك! لكن، ماذا تريد مني أن أفعل؟.
لم أجب. فكيف يُطلب من ثكلى أن تُعلّم غيرها أبجديات المواساة؟
وفي اليوم الثاني، عاد يراسلني قائلًا: مصيبتي مصيبتك.. أعلم أني عاجز عن مساندتك، لكنّي أدعو الله من كل قلبي أن يمر هذا البلاء على قلبك بردًا وسلامًا .
ظننتُ كلماته الأولى مجرد مجاملة عابرة، فلم أرد عليه أيضًا، وقلت في نفسي: الناس يفيضون بالكلام أول الأمر، ثم يطويهم النسيان.
لكن في اليوم الثالث، وصلتني منه رسالة ثالثة: كيف حالك اليوم؟
ثلاث كلمات فقط، لكنّها كانت كالمغيث الذي يسكب ماءً سلسبيلا على جمرٍ يلتهم فؤادي.
منذ تلك الليلة، أدركتُ أنّه لا يجامل، ولا يضجر، ولا يمل؛ إنّه المطر الحقيقي الذي يتبعه الندى.
ومضت الأيام، وكلما هممتُ بتذكر مصيبتي، أو خطّت يداي عنها كلمة، أو تنفس الصدر بشكوى، كنتُ أجد ذلك الصديق مرابطًا هناك، كالقمر في الليلة الظلماء لا يغيب.. كان يعلق على كلماتي بدعاء واحد يتكرر يوميًا كالنبض، كأنفاس الفجر؛ ما زلتُ أدعو لكِ بأن يربط الله على قلبك.
لم يكلَّ، ولم يفتر، ولم يخيّب ظني به قط.
حينها تيقنتُ أنّ العزاء ليس في كثرة الواقفين حولك، بل فيمن يشاركك أكبر الأحزان وأصغرها. ليس الصديق من يبكي معك ساعة، بل من يلازم باب جرحك بعد أن يهجره الجميع.
وأعظم المواساة ليست في العبارات الجزلة الرنّانة، بل في ذلك الدعاء الهادئ الذي يتكرر كديمومة المطر الخفيف؛ لا يزعجك بصخبه، ولا يتركك لجفافك.
قد تشلّ المصيبة العقل للحظات، لكنها تعجز عن شلّ قلوب من يحبوننا بصدق..
وإذا وجدت نفسك تغرق في بحر الحزن، فابحث عن ذلك الإنسان الذي يهمس لك: (ما زلتُ أدعو لك ) فإنّ في دعائه سرًا عجيبًا، يجعلك تواجه عواصف الدنيا وحيدًا دون أن تشعر بالوحدة، ويكون دعاؤه هو ذلك الرباط المقدس على قلبك المثقل.

