من وحي الطبيعة
غنية السعدية
حين يمتزج الإبداع بروح الطبيعة، تولد أعمال تحمل بصمة خاصة لا تشبه سواها. فهناك من يمتلكون حسًا فنيًا مختلفًا، يرون في الأشياء البسيطة جمالًا خفيًا، ويمنحونها حياة جديدة بلمساتهم المبدعة.
ومن بين هؤلاء من يتعامل مع الخشب لا بوصفه مادة جامدة، بل باعتباره حكاية تستحق أن تُروى. فكل قطعة خشب تحمل في أعماقها قصة عمر طويل، عاشت خلاله تعاقب الفصول الأربعة، وصارعت الرياح والأمطار وحرارة الشمس وبرودة الشتاء، حتى ظن البعض أن دورها قد انتهى. لكن المبدع الحقيقي يرى فيها بداية جديدة لا نهاية.
فما إن يضع أدواته على قطعة الخشب حتى يبدأ حوار صامت بين الفنان ومادته، يتحول معه الخشب إلى عمل فني ينبض بالجمال. وكأن صوت المنشار يعزف لحنًا خاصًا، يذكرنا بالموسيقار العالمي ياني الذي اشتهر بابتكار ألحانه بأسلوبه الفريد بعيدًا عن القوالب التقليدية. وكذلك الحرفي المبدع؛ لا يكرر ما صنعه الآخرون، بل يبتكر لكل قطعة شخصيتها وحكايتها الخاصة.
إن العمل مع الخشب لا يحتاج إلى المهارة وحدها، بل يتطلب صفات إنسانية راقية، في مقدمتها الدقة والتركيز والصبر. فالصبر هو الجسر الذي يعبر عليه المبدع نحو الإتقان، وهو الذي يحول الفكرة البسيطة إلى عمل متقن يلفت الأنظار. وربما يظن البعض أن الصبر مرّ المذاق، لكنه في الحقيقة يثمر نجاحًا أحلى من الشهد.
وقد صدق ستيف جوبز حين قال: “الطريقة الوحيدة للقيام بعمل رائع هي أن تحب ما تفعله”. فالحب هو الوقود الحقيقي للإبداع، وهو الذي يمنح العمل روحه وجماله ويجعله مختلفًا عن غيره.
كما أن من يتعامل مع الخشب يكتسب مع الزمن بصيرة خاصة؛ فهو لا ينظر إلى المظهر الخارجي فقط، بل يبحث عن القيمة الكامنة في الداخل. يميز بين أنواع الخشب الجيدة وغيرها، كما يميز في حياته بين الأشخاص الذين يستحقون القرب والثقة وبين غيرهم.
وما يلفت النظر أن معظم المبدعين والحرفيين يشتركون في قناعة واحدة مفادها أن كل مشكلة تحمل في داخلها فرصة جديدة للتعلم والنمو والتطور. فالعقبات بالنسبة لهم ليست نهايات، بل بدايات لطرق جديدة من التفكير والإبداع.
وهكذا تبقى الطبيعة مدرسة مفتوحة تمنح الإنسان الإلهام بلا حدود، وتفتح أبوابها لكل من يملك عينًا ترى الجمال، وقلبًا يؤمن بأن الإبداع قادر على أن يمنح الحياة معنى جديدًا للأشياء.

