بهدوء.. يسلبون منا حياتنا
لولوة القلهاتي
“هدم الأمة يبدأ من بيوت شعبها”
“يا جسي”
(كاتبة أمريكية من أصول أفريقية)
لماذا يسوقون لنا أن الرفاهية غاية أسمى في حد ذاتها؟
وأن الرفاه المعيشي هو المطلب الأسمى الذي يجب أن يبذل الإنسان طاقته ويسخر قدراته كلها لأجل أن يصل إليه. وتبذل الدول والحكومات في منطقتنا طاقتها القصوى في سبيل توفيره لشعوبها.
لماذا يسوقون لنا أن الحياة الحقيقية المثالية التي نستحقها ويستحقها أبناؤنا هي تلك التي تكون داخل المجمعات السكنية المعزولة المُسَوَّرَة، وعليها بوابات ضخمة وحراسات على مدار الساعة؟
لماذا يسوقون لنا أن المتعة والراحة النفسية هي في التسكع في المولات واقتناء الماركات، والجلوس في المقاهي والمطاعم الفاخرة، وفي السفر الدائم وفي الأماكن المنظمة المرسومة بعناية على أيدي أبرع المهندسين؟
لماذا يسوقون لنا أننا ولكي نكون متحضرين ومتمدنين فعلينا ارتياد تلك الأماكن اللامعة المعطرة التي لا أحد فيها يشبهنا ولا أحد فيها يتحدث إلينا أو نعنيه، ولا نمط العيش فيها والسلوك يناسبنا ولا اللغة المتحدث بها لغتنا؟
ما العيب إن قلنا أن الحياة اليومية البسيطة الهادئة الوادعة النابضة بالتفاصيل هي التي تشبهنا وتعبر عنا وتمثلنا؟ هذه هي الحياة التي نريد ونحب.
ما العيب إن قلنا إن حياة الكادحين اليومية في ساعات نهارهم وأيامهم التي يقضونها وهم ينجزون مهامهم، ويغزلون خيوط حياتهم وعلاقاتهم في صبر وأناة، هذا هو محرك الأحاسيس والمشاعر التي تخرج للعالم موسيقى الشعوب وأشعارهم وأغانيهم، ومنها تُنسَجُ حكاياتهم وأساطيرهم. وهذا هو ما يجمع الناس ويقربهم من بعضهم ويصنع ويقوي علاقاتهم بمجتمعاتهم.
ما العيب أن نقول أن الحياة الحية هي في البحر المتلألئة أمواجه، الناضحة بالخير الوفير، وأن حياة الشواطئ هي في تموجات رمالها الذهبية بعد أن يسحب الصيادون عليها قواربهم عائدين من رحلة صيد بخيرات البحر وعطايا الرحمن، وأن الراحة ليست إلا افتراش رمال الشاطئ على امتداد سواحل بحر العرب، تلك الرمال البيضاء الملحية الناصعة البياض حتى لكأن حبيباتها بلوراتٌ وجواهرُ خرجت لتوها من الأعماق إلى السطح حتى تعانق خيوط الشمس فتظهر للمتأمل فيها جوهر الحياة ومعناها.
ما العيب أن نقول أن الحياة الباذخة الجمال النابضة بالألوان، الفوارة بالمعاني، هي في المقاصير والجبال والوديان، أنها في دروب القرى وبين الأفلاج والسواقي، وتحت ظلال شجر النخيل والمانجو والنارنج والسفرجل والليمون والفافاي، وأنها في القفز داخل الجوابي والأحواض الممتلئة حد المفيض بالماء البارد العذب الزلال الصافي في يومٍ حارٍ قائضٍ، بعد يوم جدادٍ طويل وشاق انتهى بجني غلة وافرة رُصَّت بعناية فوق المساطيح، تلمع تحت أشعة الشمس بتدرجاتٍ لونية من البني الداكن إلى البني الفاتح إلى الأصفر الذهبي في مهرجان ألوانٍ بهجةٍ للناظرين. لتتحول بعد أسابيع قليلة إلى تمر ملكي ذهبي، ذا مذاقٍ حلو خرافي يقدم في المجالس ليزيدها كرماً وترحاباً.
لماذا عَقَّدنا بسيط العيش وبَسَّطْنا المُعَقَّد؟
لماذا جعلنا القاعدة استثناءً والاستثناء قاعدة؟
لماذا عممنا مفهوم الغرب عن الحياة العصرية وجعلنا جودة الحياة المنشودة هي تلك التي تكون على نمط الحياة التي تُسَوِّقها شركات العقار والمنتجعات وشركات الدعاية والإعلان وشركات السفر والسياحة؛ تلك الأنماط التي تسعى لبيعك منتج متكامل، عبارة عن منزل وأسلوب حياة وسفر وعمل وتعليم تم تصميمها وهندستها لتستهلكنا لا لتريحنا لأنها غير أصيلة، وليس فيها شيء من روحنا وروح المكان الذي نشأنا فيه وغُرست فيه جذورنا، وستنبت فيه فروعنا وتثمر، ولا نريد لهذه الثمرة أن تشقى بالاغتراب والفردانية وهي في بلادها وبين أهلها.
لماذا سمحنا لأنفسنا أن ننعت كل شيء محلي الطابع بأنه غير حضاري؟ ما هي الحضارة بالمناسبة؟ إن لم تكن الحضارة فعلًا بشريًا لاجتماع حضري في حيز زمني وجغرافي معين، فماذا تكون؟! ما هي المعايير التي تنطلق منها مؤشرات جودة الحياة، إن لم يؤخذ بالحسبان استمتاع البشر بحيواتهم وتفاصيلهم البسيطة وأعمالهم وإنجازاتهم الصغيرة؟
إن المقارنات بين ما هو عصري وما هو غير عصري وبين من هو متحضر ومن هو غير متحضر تجعل الناس يظلمون أنفسهم، ويعتقدون أن كل ما يقومون به لا وزن له ولا قيمة، ويفقدهم الرضى عن أنفسهم وعن مجتمعهم وعن عاداتهم وتقاليدهم وعن بلادهم وعن الدين الذي يعتنقونه في غالب الأحيان.
تقول الكاتبة الأمريكية من أصل أفريقي في روايتها الرائعة (عودة الروح) على لسان إحدى شخوص الرواية وهو مدرس تاريخ أفريقي من غانا: “…إننا إذا ذهبنا إلى الرجل الأبيض للدراسة، فلن نتعلم إلا بالطريقة التي يريدها الأبيض لنا. سنعود ونبني الدولة التي يريدها الأبيض لنا. دولة تستمر في خدمتهم ولن نصبح أحرارًا أبداً”.



