مقالات صحفية

القدرات المهدورة: حين تُحبس الطاقات عن خدمة الوطن

يوسف بن مبارك بن سليّم المقبالي

في كل مجتمع، هناك كنوز بشرية مدفونة تحت ركام الإهمال أو التردد أو غياب الفرص. مواهب فذة، عقول نيرة، وأيادٍ ماهرة، لكنها لا تجد طريقها إلى النور، ولا تُسهم في بناء الوطن كما ينبغي. إنها ظاهرة مؤلمة، أن يمتلك الإنسان القدرة، لكنه لا يستثمرها، وأن يحتاج الوطن إلى هذه القدرة، لكنه لا يجدها.

الطاقة البشرية: المورد الأغلى
ليست الثروات الطبيعية ولا البنية التحتية هي ما يصنع نهضة الأمم، بل الإنسان. حين يكون الإنسان مؤهلًا، مبدعًا، ومندفعًا نحو خدمة مجتمعه، تتحول الأحلام إلى واقع. ولكن حين تُهدر هذه الطاقات، يصبح الوطن كمن يملك جيشًا من الأبطال، لكنه لا يستدعيهم للمعركة.

أسباب الغياب عن الميدان:

هناك أسباب متعددة تجعل أصحاب القدرات لا يشاركون في خدمة الوطن:
– غياب التحفيز والتقدير: كثيرون يشعرون أن جهودهم لن تُقدّر، أو أن مساهماتهم ستُهمّش.
– الخوف من الفشل أو النقد: بعض المبدعين يفضلون البقاء في الظل خوفًا من مواجهة المجتمع أو المؤسسات.
– الانشغال بالذات: في عصر الفردانية، يركز البعض على مصالحه الشخصية دون اعتبار للمصلحة العامة.
– ضعف التواصل بين الموهوبين والجهات المعنية: لا توجد منصات كافية تربط أصحاب القدرات بالمشاريع الوطنية.

الوطن بحاجة إليهم:

الوطن لا يُبنى بالنيات الطيبة فقط، بل بالعمل، والإبداع، والمبادرة. كل مهارة غير مستثمرة هي فرصة ضائعة، وكل عقل غير مفعل هو خسارة وطنية. الطبيب الذي لا يشارك في حملات التوعية، والمهندس الذي لا يقترح حلولًا للبنية التحتية، والمعلم الذي لا يطوّر أدواته… كلهم يملكون ما يمكن أن يُحدث فرقًا، لو قرروا أن يتحركوا.

كيف نعيد توجيه الطاقات؟:

– نشر ثقافة المسؤولية الوطنية: عبر الإعلام والتعليم، يجب ترسيخ فكرة أن خدمة الوطن ليست خيارًا، بل واجبًا.
– خلق منصات للربط بين القدرات والمشاريع: مثل المبادرات التطوعية، والبرامج الحكومية التي تستقطب الكفاءات.
– تقدير المساهمات مهما كانت بسيطة: فالتشجيع يولّد الاستمرار، ويحفّز الآخرين.
– إعادة تعريف النجاح: ليشمل الأثر المجتمعي، لا فقط المكاسب الشخصية.

الخاتمة:
دعوة للاستيقاظ
إننا لا نفتقر إلى العقول، بل إلى استدعائها. لا نعاني من نقص في المواهب، بل من غياب المبادرة. الوطن ليس مجرد أرض، بل هو مشروع جماعي، لا يكتمل إلا حين يقرر كل فرد أن يضع قدراته في خدمته. فهل آن الأوان أن نُخرج كنوزنا من الظل؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights