السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
الخواطر

مكان قديم في داخلنا

   سليمان بن حمد بن مسعود العامري

لم يكن المجلس مجلسًا عاديًا.

كل شيء فيه كان ساكنًا أكثر من اللازم.

وجوه الرجال الذين صافحتهم لم تحمل حزنًا، بل شيئًا آخر…

كأنهم يعلمون أنني لم آتِ لمجرد جدال أو لتبرير موقفي.

جلست بينهم.

تبادلنا كلمات قصيرة، وجملًا ثقيلة، لكنها لم تكن تُعنى بأحدٍ بعينه،

بل كانت تدور حول موضوع ما، دون أن يجرؤ أحدهم على البوح به.

كان في عيونهم سؤال لا يُقال،

وفي ابتساماتهم شيء مريب.

لم أشعر بالرغبة في البقاء.

نهضت بهدوء، وكأن جسدي يهتدي إلى طريقه دون أن أسأله.. في طريقي للخروج،

سمعت صوت امرأة من المجلس،

كانت تصرخ، تتجادل، وتردد كلماتها بصوت عالٍ بلغ حد التهديد.

لكن الغريب أن الجميع التفتوا إليها، متناقلين أخبارها،

كأنهم يستمتعون بلذة تناقل الأخبار.

أما أنا، فلم ألتفت إليهم.

كنت أشعر أن شيئًا أعمق ينتظرني، بعيدًا عن أي جدال يُقال أو يُفهم،

فليس هذا المجلس مكاني.

واصلت سيري حتى بلغت ذلك المكان…

المكان الذي نسيت أنني ما زلت أعرف طريقه.

مبنى قديم، من طينٍ ترابي، متآكل الجدران،

عليه آثار مرور الزمان،

تغطيه خيوط العنكبوت، كأن الزمن توقف فيه منذ طفولتي.

كانت العناكب تتحرك ببطء، تراقبني،

تحرس شيئًا غامضًا.

وبعضها زحف على جسدي، لكنني لم أخف، ولم يؤذني.

دخلت.

كنت أعرف تمامًا أين أضع قدمي،

كأنني سكنت فيه من قبل،

وكأن الزمن توقف داخلي فيه.

وقفت أمام صندوق قديم مغلق، ففتحته.

كان فيه شيء ثمين،

شيء يخصني،

رمز لحقيقة تركتها خلفي،

حين بدأت أهرب من ذاتي،

قبل أن أخون طموحي،

وقبل أن أتنازل عن الطريق الذي كنت أسعى إليه بصدق، ذات يوم.

بكيت.

لم يكن بكاء ندم، بل بكاء الاعتراف.

أخذت ما يخصني وخرجت.

في الخارج…

لم يكن المجلس موجودًا، ولا الأصوات.

فقط الباب القديم،

والعناكب التي بدأت أنفضها عن ثوبي…

نعم، قد أزلتها.

نصيحة لكل من يقرأ كلماتي:

في كلٍ منا مكانٌ قديم،

يسكنه ظل من ذواتنا،

نسخة دفناها تحت ركام العجلة، أو ضعف العزيمة، أو الخوف من الطريق.

لكن إن عدنا إليه بشجاعة،

سنجد ما كنا نظن أننا فقدناه،

لا ليُحبطنا، بل ليوقظنا.

فلا تؤجل نداء الطموح،

ولا تنصت إلى أهازيج النفوس الضعيفة،

امضِ بثقة،

فإن الحقيقة لا تحتمل التأجيل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights