وقفة عند الأربعين

أحمد إبراهيم البلوشي
ها أنا اليوم أُكمل العقد الرابع من عمري، وأقف مع نفسي وقفة تأملٍ قصيرة أستعرض فيها ما مضى، وأتطلع إلى ما هو آتٍ.
تغيّرت أشياء كثيرة خلال هذه السنوات، وبقيت أشياء أخرى كما هي. حققت بعض الأحلام التي طالما سعيت إليها، وكان من أبرزها إتمام دراسة الماجستير والحصول عليها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. واليوم أفتح صفحة جديدة، مقبلًا على مرحلة الدكتوراه، راجيًا من الله التوفيق والسداد، وأن يجعل فيها الخير والنفع والعلم النافع.
ما زلت أحمل في قلبي ألم فقد والديّ رغم مرور الوقت، رحمهم الله رحمة واسعة. فبعض الغياب لا يعتاد عليه الإنسان مهما امتدت الأيام، وبعض الفراغات لا يملؤها شيء. تعلمت أن أتعايش مع الفقد، لكنني لم أتجاوزه، وما زلت أفتقد الدعاء الصادق، والكلمة الحانية، والوجود الذي كان يمنح الحياة طمأنينة خاصة.
حاولت أن أغيّر بعض الأمور في حياتي، ونجحت في بعضها، وتعثرّت في بعضها الآخر. وكانت هناك أشياء ظننت يومًا أنها لا تتغير، لكنني في عامي الجديد أعاهد نفسي على أن أسعى إليها من جديد، فالحياة لا تكافئ المستسلمين، والله يفتح أبوابًا لم تخطر يومًا على البال.
هناك أحلام ما زالت تنتظر دورها لتتحقق، وأمنيات أرفعها إلى الله في كل حين. فإن كانت خيرًا لي فأسأله أن ييسرها ويبارك فيها، وإن كانت غير ذلك فأسأله أن يصرفها عني ويصرفني عنها، ويرزقني الرضا بما يختاره لي.
وفي زحام الأفكار التي تأتي وتمضي، يبقى أملي كبيرًا أن يكون عامي الجديد عامًا مليئًا بالخير والبركة والسكينة، عامًا يحمل معه الأفراح، ويقرّب الأحلام، ويجبر الخواطر، ويمنح القلب طمأنينة طال انتظارها.
وعندما أنظر إلى العالم من حولي، أرى أحداثًا كثيرة تتسارع؛ سياسية ورياضية واجتماعية، وأرى منطقتنا الخليجية والعالم الإسلامي يمران بظروف وتحديات مختلفة. وليس هناك نعمة أعظم من نعمة الأمن والاستقرار، فهي أساس العمران والحياة الكريمة.
ويظل القلب حاضرًا مع قضايا الأمة وآلامها؛ مع فلسطين الجريحة، ومع السودان ولبنان، ومع كل أرضٍ يئن أهلها من المعاناة والفرقة والاضطراب. وإنني أؤمن أن قوة المسلمين كانت دائمًا في اجتماعهم على الحق، وتمسكهم بقيم دينهم وأخلاقه. فمتى ما عادوا إلى أسباب قوتهم ووحدتهم، عادت لهم مكانتهم وهيبتهم بين الأمم.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الخير، وألّف بين قلوبهم، وأصلح أحوالهم، واجعل رايتهم راية حق وعدل وسلام، وارفع شأن أمتنا بالإيمان والعلم والعمل الصالح.
كما أسأل الله أن يوفق مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأن يسدّد خطاه لما فيه خير عُمان وأهلها، وأن يديم على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار والازدهار. وأن يرحم السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، الذي ترك إرثًا عظيمًا ومسيرة مباركة، وأن يوفق من جاء بعده لمواصلة البناء والعطاء.
أما أنا، فأدخل عامي الجديد بقلب أكثر نضجًا، وبإيمان أكبر بأن ما كتبه الله سيأتي في وقته الجميل. أحمل الشكر على ما تحقق، والصبر على ما تأخر، والأمل فيما هو قادم.
اللهم اجعل أيامي القادمة خيرًا من أيامها الماضية، واكتب لي ولأهلي وأحبتي السعادة والرضا والتوفيق، واملأ حياتنا بالبركة والطمأنينة.


