حرب الضعيف ..
سليمة بنت نصيب المسعودية
ليست كلُّ الحروب تُخاضُ بالسيوف،
فبعضُها يُدارُ بالخِفّةِ والهمسِ،
وبألسنةٍ تُجيدُ نثرَ الفتنةِ بين القلوب،
حين يعجزُ البعضُ عن إسقاطكِ مباشرةً،
يبدؤون بمحاولةِ التأثيرِ على كلِّ من حولكِ،
كأنّ انتصارهم الحقيقي ليس في الحقِّ،
بل في جمعِ أكبرِ عددٍ من الواقفين ضدّكِ.
وحين تضعفُ حجّتُهم،
يفتشون في دفاترِ الأمس،
ويُخرجون ما مضى وكأنّه وُلد اليوم،
لا رغبةً في الإصلاح،
بل رغبةً في تشويهِ الصورةِ وإثقالِ الكفّةِ عليكِ،
فيحمّلونكِ أخطاءً ليست أصلَ النزاع،
لأنّ الحقيقةَ وحدها لا تكفيهم لصناعةِ خصومةٍ كاملة.
لكنّهم ينسون أنّنا جميعًا
نعيشُ تحت سترِ الله ورحمته،
وأنّ الإنسان مهما تزيّن بالمثالية
فإنّ له زلّاته التي أخفاها الله عنه وعن الناس.
فلا أحدَ يملكُ حقَّ التجرّدِ من الرحمةِ ليحاكم الآخرين،
ولا أحدَ أنقى من أن يحتاجَ إلى عفوِ الله وستره.
الضعيفُ حقًّا
ليس من تعثّر يومًا،
بل من حاولَ أن يبني انتصارهُ على تشويهِ غيره،
ومن استغلَّ الأسرارَ ليُحرّك القطيع،
ويصنعَ من الناسِ أبواقًا لمعركتهِ الشخصية.
فالنفوسُ العظيمةُ تحفظُ الودَّ وإن انتهى الطريق،
أمّا النفوسُ الصغيرةُ
فتبحثُ عن مواضعِ الكسرِ لتضغطَ عليها كلّما غضبت.
وما أشدَّ الفجورَ في الخصومة،
حين يتحوّل الخلافُ إلى تشويه،
والعتبُ إلى فضح،
والأسرارُ إلى أسلحة،
ويُصبحُ كسرُ الطرفِ الآخر غايةً يتلذّذ بها البعضُ ولو بالباطل.
ولأوّلِ مرّةٍ أدركتُ
أنّ الإنسان قد يدفعُ ثمنَ طيبتِه الساذجة،
وأنّ الإفراطَ في العطاءِ دون حدود
يُرهقُ القلبَ أكثرَ مما يُرضيه.
فليس كلُّ من اقتربَ يستحقُّ المساحةَ ذاتها،
ولا كلُّ من ابتسمَ لكَ يحملُ لكَ النقاء.
تعلّمتُ أنّ النفسَ حين تكتفي بذاتها
تنجو من كثيرٍ من الخذلان،
وأنّ الهشاشةَ والتخلّي
صفاتٌ قد تظهرُ في البشر مهما ادّعوا الثبات.
لكنّ كلَّ موقفٍ رأيتُ فيه حسدًا أو مكيدة،
لم يُضعفني كما تمنّوا،
بل جعلني أصلبَ قلبًا،
أكثرَ وعيًا،
وأشدَّ ثباتًا أمام الريح.
وما أراده الله لي،
خيرًا كان أم ابتلاءً فهو خيراً لي لانه من عند الله.



