مقالات صحفية

رمضانيات اليوم الثاني والعشرون: احرصوا على بر الوالدين

خلفان بن ناصر الرواحي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،

فيا أيها المؤمنون الأتقياء، كلّنا نعلم أنَّ رِضَا الله في رِضا الوالدين، ويشهد لذلك ما جاء في القرآن الكريم من الآيات، التي فيها الأمر بعبادة الله وحده، مقرونا بها الإحسان إلى الوالدين، كقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)-[النِّسَاءِ: 36]، وَقَوْلِهِ: {:{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)}-[الإِسْرَاءِ: 23]، وهذا دليل على ما بينهما من تلازم وارتباط؛ إِذْ لاَ تتحقّق العبادة مع عقوق الوالدين، ولا يُغني الإحسان إليهما مع الإشراك؛ لأَنَّ حقيقة العبادة هي المحبة مع الذُّلِّ والخضوع لأمر الله تعالى، والامتثال والطاعة، ولا تحصل حقيقة العبادة إِلاَّ بهما، فالعقوق يعد عصيانا واستكبارا ونقصا في كمال العبادة وحقيقتها. وجاء ذلك أيضاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، وَصَلَّيْتُ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ زَكَاةَ مَالِي، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا -وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ- مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ)- رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِي.

واعلم أخي المؤمن، وليس الأمر بالإحسان إلى الوالدين من خصوصيات هذه الأمّة وحدها فحسب، بَلْ هو أَمْرٌ فيإلهي متقدّم، كتبهُ الله على الأمم التي قبلنا كما جاء ذلك في قوله -عَزَّ وجل-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…}- [الْبَقَرَةِ: 83]، كما أثنى الله تعالى على الأنبياء، وَخَصَّ بالذكر منهم سيدنا يحيى -عليه السلام- لأَنَّهُ كان بَارًّا بوالديه على كبر سِنِّهما؛ فالبرُّ في وقت الحاجة أعظم منه في غيره، والحاجة لا تتحققُ إِلاَّ في سِنِّ الشيخوخة والضّعف، قال تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}- [مَرْيَمَ: 14]، كما ذكر عيسى عليه السلام لتفانيه فِي خدمة أمّه، واعتزازه ببرّها، واعترافه بفضلها، وخفضه لها،؛ حيث قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}- [مَرْيَمَ: 32].

فكما تلاحظ أخي الحبيب من هذه الأدلة التي أشرنا إلى بعضها، لهو دليل قاطع أنّ الأمر بالإحسان إلى الوالدين عام مطلق، ينطوي تحته ما يُرضي الأبناء وما لا يُرضيهم، من غير تأففٍ، ولا جدال، وهذا في حد ذاته أمرٌ تعبدي ومهم جداً ويجب الانتباه له؛ فكثير من الأبناء يتجاهلونه أو ربما يغفلون عنه.

ولتعلم أخي الكريم أن بعض أهل العلم وضّح شروط البر للوالدين في ثلاث، وهي:

– أن يُؤْثِرَ الولد رضا والديه على رضا نفسه، وزوجته، وأولاده، وغيرهم من النَّاس.

– أن يطيعهما في كُلِّ ما يأمران به، وينهيانه عنه، سواء أوافق رغبته، أم لم يوافقها، ما لم يكن ذلك بمعصية الله تعالى.

– أن يُقدِّم لهما كُلَّ ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباهُ منه، وذلك عن طيب نفس، مع شعوره بالتقصير في أداء حقهما، ولو بذل لهما ماله كله.

فهكذا أحبتي في الله، اتقوا الله في أنفسكم ووالديكم وأهليكم وذرياتكم، وعَلِّموا أبناءكم الإحسان والبر للوالدين، واعلموا أنّ ذلك من كمال الإيمان وحسن الخلق، وهو طريق عظيم لتنالوا رضا الله سبحانه وتعالى ووالديكم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights