الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

محيط الفقه: يا ذا الجلالِ والإكرام والاستغفار «الجزء الثالث والأخير»

وداد بنت عبدالله الجابرية

من هنا تبدأ قصة اللؤلؤة الخامسة، التي تتنزل من عرش الرحمن، وهي “يا ذا الجلالِ والإكرام”؛ قبل الغوص في عمق اللؤلؤ، لنعلم قبل كل شيء عن عرش الرحمن، قال الله تعالى:
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
[سورة هود: 7]

“وكان عرشه على الماء” ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض؛ وقال الربيع بن أنس: “وكان عرشه على الماء”، فلما خلق السموات والأرض، قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفًا تحت العرش، وهو البحر المسجور؛ وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه؛ وقال إسماعيل بن أبي خالد، سمعت سعد الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء. فإذا كان هذا الوصف هو وصف العرش، فكيف بذكر الرحمن والعيش مع ذكره؟!

“يا ذا الجلالِ والإكرام” تنزلت من هذا العرش الذي خلقه الله تعالى قبل السموات والأرض، من هذه الياقوتة التي يجهلها البعض منا.

لنغوص في قصص من عمل بها، وأول قصة هي قصتي مع هذا الذكر العظيم. بينما كان الكل ينتظر القبول، كنتُ أنتظر معهم، ولكن كنتُ أشغل لساني بذكر “يا ذا الجلالِ والإكرام” التي جعلها الله تعالى فضلًا لي وتيسيرًا لأموري؛ ذكر بسيط يكرمك الرحمن بما لا تتصوره نفسك، فقد قال العزيز الحكيم في كتابه الكريم:
{وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}
[سورة الرحمن: 27]

{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}
[سورة الرحمن: 78]

فلعظمتها ذكرها الرحمن في كتابه. قبل رحلتي مع هذا الذكر، سمعتُ إحدى القصص التي تحدث صاحبها عن فضلها. بينما كان هذا الرجل يتنقل من دولة إلى دولة أخرى، ومن مستشفى إلى مستشفى آخر، لإجراء الفحوصات اللازمة لمعرفة سبب عدم إنجاب الأطفال، كان يُكرر له “بأنك سليم”، حتى ضاق صدر الرجل ليمكث بين يدي الرحمن؛ جاء الإمام ورأى وجه الرجل الذي تكدست عليه الهموم والأحزان، فسأله:
– ماذا أصابك يا أخي؟
– الرجل: لم أرزق بأطفال، ولم أترك مستشفى إلا وقد ذهبتُ إليه لمعرفة سبب عدم الإنجاب، وفي كل مرة يُقال لي بأنني سليم.
– الإمام: سأخبرك بذكرٍ داوم عليه “يا ذا الجلالِ والإكرام”.
ذهب الرجل إلى منزله وداوم على هذا الذكر مع زوجته؛ مر شهران، وعاد إلى المسجد ليبشر الإمام بأن زوجته حامل.

ألا بذكر الله تطمئن القلوب، ألا بذكر الله تحيا النفوس وتنتعش الروح. بذكر الله تبدأ حياة الرزق والراحة.

لنتعمق أكثر في البحث عن اللؤلؤة الأخيرة، وهي لؤلؤة الاستغفار. ذُكر عن حسن البصري، حينما يُسأل عن أمر ما، كان يأمرهم بالاستغفار. فقال الناس: ما لك يا حسن، فكم من سائل سألك وأمرته بالاستغفار؟ فتلا قول الله تعالى:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)}
[سورة نوح: 10-14]

وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ: “منْ لَزِمَ الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ومِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ” رواه أبو داود.

ومن لزم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب؛ في الاستغفار تكفير السيئات، وزيادة الحسنات، ورفع الدرجات:
{وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}
[البقرة: 58]

لنختتم الحديث بقصة قصيرة، يروي لنا أحد الرجال قصته مع زوجته، يقول: كانت حياتي مليئة بالمشاكل حتى وصلت إلى أن أتركها في منزل والدها؛ أمرتها بتجهيز حقائبها، وبعد الصلاة سأذهب بها لأهلها حتى خرجتُ من المنزل وفكرتُ في الذهاب إلى مسجد بعيد، لأن حالتي لم تكن تسمح لي بالحديث مع الآخرين ووصلتُ إلى أحد المساجد وأقمتُ الصلاة، وبعد الانتهاء تحدث معنا الإمام عن فضل الاستغفار وثمار الاستغفار ورفعتُ كفي لأبدأ بالاستغفار حتى شعرتُ بالارتياح، وخرجتُ من المسجد ذاهبًا إلى المنزل؛ وجدتُ زوجتي تنتظرني ومعها حقائبها، أمرتها بالصلاة والاستغفار، ليغفر الله لنا ذنوبنا ويكفر عنا خطايانا، ولأعيش مع زوجتي حياة سعيدة.

لتنتهي سلسلتي بأفضل اللآلئ القيمة، وأتمنى للجميع أن ينتفع بها وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومن عمل بها، وأن يجمعنا في الفردوس الأعلى، وأن يجعلنا من الذاكرين والشاكرين له.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights