مقالات صحفية

اتركوهم يتعثروا !

  محمد عبدالرحمن

يقولُ الإمامُ الغزالي في «إحياءِ علومِ الدين»: «إنَّ العبدَ لا يبلغُ حقيقةَ العلمِ إلا إذا ذاقَ مرارةَ الجهل، ولا يدركُ قَدْرَ النجاةِ إلا مَن أشرفَ على الهلاك!»

يبدو لي أنَّ حجةَ الإسلامِ كان يقصدُ هنا أنَّ “التجربة” هي المعلمُ الأول، وأنَّ حمايةَ الإنسانِ المبالغَ فيها من الوقوع في الخطأ هي في الحقيقةِ حرمانٌ له من النضج. القيمُ تُورث، ولكنَّ “الخبرة” تُكتسب بالاحتكاكِ المباشرِ مع الحياة؛ فالصدقُ قيمةٌ نغرسها، لكنَّ إدراكَ عاقبةِ الكذبِ هو درسٌ يلقنهُ الواقعُ لا المحاضرات !

وقريباً من هذا يقولُ الفيلسوف «جان جاك روسو»: «أثمنُ ما في التربيةِ ليس كسبُ الوقت، بل ضياعُه في التجاربِ التي تبني الروح !»

يقول أحدُ الناجحين: «سألني ابني يوماً: لماذا تركتني أسقطُ وأنا أتعلمُ المشي؟ فقلتُ له: لولا ذلك السقوطُ، لما عرفتَ كيفَ توازنُ جسدَك، ولما أدركتَ أنَّ الأرضَ صلبة، وأنَّ النهوضَ قرارٌ تملكهُ أنتَ لا أنا !»

يرغبُ الآباءُ في أن يجنبوا أولادهم كلَّ كدَر، وأن يمهدوا لهم الطريقَ فلا تعثر فيه قدم، وهذه رغبةٌ نابعةٌ من فيضِ الحب، ولا يمكننا أن نلومَ “قلب الأم” أو “حرص الأب”؛ فالراعي يخشى على غنمهِ الذئب، والأهلُ رعاةٌ والأبناءُ أمانة !

ولكنَّ الخطأَ الذي نقعُ فيه هو أننا نصنعُ منهم “كائناتٍ زجاجية” تنكسرُ عند أولِ صدمةٍ مع الواقع. حين نختارُ عنهم أصدقاءهم، ونحلُّ عنهم مشكلاتهم، ونعتذرُ بالنيابةِ عنهم، فنحنُ هنا لا نحميهم، بل “نُعطل” فيهم حواسَّ النجاة !

الحياةُ التي تخلو من الندوب هي حياةٌ لم تُعش بعد! ولو تأملنا في العظماءِ من حولنا لاكتشفنا أنَّ هناك ملايينَ الذين عاشوا في دلالٍ، ولكن هناك “عمر بن الخطاب” واحداً صهرتهُ الصحراء !

وهناك ملايينَ الذين لم يُخدشوا، ولكن هناك “نيلسون مانديلا” واحداً صقلهُ السجن !

وهناك ملايينَ المنعمين، ولكن هناك “توماس إديسون” واحداً أدبهُ الفشلُ ألفَ مرة !

كوننا نخافُ عليهم، لا يعني أنَّ من حقنا أن نعيشَ عقولهم بالنيابةِ عنهم. وكوننا نملكُ الخبرة، لا يعني أنَّ من حقنا أن نصادرَ حقهم في ارتكابِ أخطائهم الخاصة. لماذا نريدُ أن نمنحهم “الثمار” دون أن يمروا بموسمِ “الغرس” وتعبِ السقيا؟

الأبناءُ بحاجةٍ إلى السندِ حين يسقطون، لا إلى من يمنعهم من السقوط. حاجتهم هي أن يشعروا بأنَّ يدنا ممدودةٌ إذا تعثروا، لا أنَّ أرجلنا تمشي مكانهم. علموهم، حذروهم، ساندوهم، وكونوا لهم الحضنَ الدافئ، ولكن تذكروا بعد كلِّ هذا أن تتركوهم يتعثروا ليتعلموا كيف ينهضون !

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights