مقالات صحفية

حين يسرق الخصام دفء العلاقات

   منى بنت سليمان الجهورية

خلق الله الناس ليكونوا متعاونين متراحمين، وجعل الألفة والمحبة من أعظم النعم التي تستقيم بها الحياة وتطمئن بها النفوس، فقال سبحانه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (سورة الأنفال: 63). فكلما اجتمعت القلوب على الخير نزلت البركة، وحلّت السكينة، وقويت الروابط بين الناس.

ومن أعظم هذه الروابط ما يكون بين الإخوة، والأصدقاء، والأقارب، فهي علاقات تقوم على المودة والاختيار أحيانًا، وعلى الرحم أحيانًا أخرى، وتجمعها الذكريات والمواقف والعيش المشترك. ولذلك كان الحفاظ عليها من أعظم أسباب استقرار النفس والمجتمع.

قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 10)، فإذا كان الإسلام يأمر بالإصلاح بين عموم المؤمنين، فكيف بما يقع بين من تجمعهم صحبة أو رحم أو عشرة طويلة؟ ومع ذلك فإن الخصام بين الناس من الظواهر التي تتكرر في العلاقات، وله أسباب متعددة؛ فمنها ما هو ظاهر كاختلاف الطباع، وسوء الفهم، والتوقعات الزائدة، أو التنافس في أمور الدنيا، أو التقصير في الحقوق والواجبات. وهذه أمور يمكن علاجها بالحوار الصادق، وحسن الظن، والتغافل عن الزلات.

وهناك نوع آخر من الخصام لا يكاد يجد له الإنسان سببًا واضحًا، فتتغير القلوب، وتضعف المودة، ويقل التواصل دون مبرر حقيقي. وهنا ينبغي أن نتذكر قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة الإسراء: 53). فالشيطان لا يرضيه اجتماع القلوب، ويسعى دائمًا إلى التفريق بين الأحبة.

ومن الملاحظ أن الفجوة بين الناس قد تتسع بعد تغيّر الظروف؛ كزواج الإخوة، أو انشغال الأصدقاء بأسرهم وأعمالهم، فتقل اللقاءات، وتضعف المتابعة، وتُفهم الكلمات على غير مقاصدها، فتبدأ المسافات القلبية بالاتساع شيئًا فشيئًا .. ولهذا جاء التوجيه الرباني الجامع فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران: 103). فالمطلوب ليس مجرد القرب الجسدي، بل اجتماع القلوب على المحبة والتسامح وحسن النية.

وقد حذر النبي ﷺ من استمرار الهجر والخصومة فقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (رواه البخاري ومسلم). فجعل المبادرة إلى الصلح فضيلة وشرفًا، لا ضعفًا ولا هزيمة.

بل إن أثر الشحناء يتجاوز الدنيا إلى الآخرة، فقد قال ﷺ: «تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» (رواه مسلم).

وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» (رواه البخاري). وهذا يدل على عظمة التسامح وبناء العلاقات حتى بعد انقطاعها.

وكان الإمام الشافعي رحمه الله من أكثر الناس دعوة إلى صفاء القلب والعفو، فقال:

لما عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ

أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ

وقال أيضًا:

سامحْ صديقَكَ إن زلَّتْ به قدمٌ

فليس يسلمُ إنسانٌ من الزللِ

فالعفو راحة لصاحبه قبل أن يكون إحسانًا لغيره، وهو طريق لإبقاء المودة وحفظ العلاقات من الانهيار.

إن العلاقات الإنسانية قد تمر باختلافات، لكن ينبغي ألا تتحول إلى قطيعة أو عداوة. فالأيام تمضي، والأعمار قصيرة، وما أجمل أن يرحل الإنسان وقلبه خالٍ من الأحقاد، وعلاقاته محفوظة بالمحبة والاحترام.

فلنبادر إلى الإصلاح، ولنحسن الظن، ولنلتمس الأعذار، ولنتذكر أن كلمة طيبة أو اعتذارًا صادقًا قد يعيد علاقة كاملة إلى الحياة من جديد.

اللهم ألّف بين القلوب، وأصلح ذات بيننا، واصرف عنا نزغات الشيطان، واجعل بيوتنا وأصدقاءنا وأرحامنا عامرة بالمودة والرحمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights