صمت الجذور

عائشة الفارسية
عندما نزرع، ننتظر موسم الحصاد بلهفة وفرح، نحب اللحظة التي نقطف فيها الثمرة، ونرى النتيجة، ونتلقى التصفيق من الغير، نربط قيمتنا بما ننتجه وما يظهر للناس، لكن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فكما أن للزرع موسمًا يُثمر فيه، له مواسم أخرى يعمل فيها بصمت تحت التراب ليكون أقوى لمواجهة التحديات.
(بعض المواسم للجذور، وليس للفاكهة) سمعت هذه العبارة وتأثرت بها، فهذه ليست عبارة عابرة وإنما قانون يجب أن يُطبَّق في الحياة، فموسم الفاكهة ظاهر وواضح، هو وقت الإنجازات، والأرباح، والترقيات، والنجاحات، والشهادات، الجميع يراها بوضوح، وفيها نشعر أن تعبنا أثمر، وأن الطريق كان يستحق العناء.
نحتفل به ونصوّره، ونفتخر به، وهذا حق، لكن المشكلة تبدأ حين نظن أن الحياة يجب أن تكون كلها موسم فاكهة، وموسم حصاد.
ولكن هناك موسم مهم جدًا، صامت وبطيء، وقد لا يلاحظه أحد، إنه موسم الجذور؛ لأنها غير واضحة للعيان، لا أحد يصفق لها وهي تمتد في الظلام، ويطول عودها ويقوى، لا جوائز على الليالي التي نقضيها في التعلّم، ولا كاميرات توثق دموعنا ونحن نتعافى من خسارة.
لا أحد يرى الألم الذي يصقل شخصيتنا، أو الكتب التي نقرأها لتبني وعينا، أو العادات الصغيرة التي نزرعها كل يوم، في موسم الجذور نظهر للناس كما نحن، بلا ثمار جديدة، وقد نجد من يسألنا «ماذا أنجزت؟» فلا نجد إجابة تعجبهم، وهنا يأتي الاختبار الحقيقي: هل نثق بعملية النمو الخفية؟
الشجرة الحكيمة لا تستعجل، بل تأخذ وقتها في النمو، هي تعرف أن كل سنتيمتر تنموه الجذور في العمق هو قدرة إضافية على الصمود أمام العواصف القادمة، وقدرة أكبر على حمل ثمار أثقل في المستقبل، الجذر الضعيف يُنتج ثمرة سريعة، لكن أول ريح تُسقط الشجرة كلها، أما الجذر العميق فقد يتأخر في الإثمار، لكنه حين يُثمر، يُثمر لسنين.
في حياتنا مواسم الجذور كثيرة، هي فترة الدراسة قبل الوظيفة، وهي الأشهر الأولى من بناء مشروع لا يرى النور بعد، وهي فترة التعافي بعد انكسار، وهي تربية الأبناء في سنواتهم الأولى، وهي كل وقت استثمرناه في أنفسنا ولم يره أحد، وهي مبادرة قد تكون تطوعية لا ننتظر أجرها اليوم، لكنها تغرس جذور الرحمة فينا وفي المجتمع.
إن مجتمعًا يقدّس الفاكهة فقط هو مجتمع هش، ينتج أشخاصًا متعطشين للنتائج السريعة، يخافون من الصبر، ويكسرهم أول تأخير، أما المجتمع الذي يحترم مواسم الجذور، فهو ينتج جيلًا صبورًا، عميقًا، ومثمرًا على المدى الطويل، غير مستعجل على النتائج السريعة، فكل شيء يأتي سريعًا يذهب أسرع، لذلك إن مررت بفترة تشعر فيها أنك متوقف، لا تنتج ولا تُثمر، فاسأل نفسك هل أنا في موسم جذر؟ هل أبني الآن ما سأستند عليه لاحقًا؟ هل ما أشعر به يقوّيني؟
لا تحزن إن لم يرَ الناس ثمرتك اليوم، اطمئن، فأهم جزء في الشجرة هو ذلك الذي لا يُرى، احترم صمتك وقدّس عملك الخفي، واستثمر في عمقك، وركز على أهدافك، فكل فاكهة عظيمة بدأت يومًا كجذر صامت في الظلام.



