حياة كانت لأبي ..
مريم بنت عبدالرحمن الهوتية
في زمن الجوع، زمن الحاجة، والأنا والأنانية، زمن نفسي وإبني.
أشرقت الشمس على حياة أبي في ليلةٍ مُظلمة.. سقط رأس أبي.. أرضٍ تحتضن روحين ملائكتين كما سمعت عنهما؛ روح جدي وجدتي.
ولدته جدتي وانتكست صحتها ثلاث شهور لم ترفع رأسها بعد ميلاد أبي.. وقضى عليها المرض بالموت.
ولد أبي يتيماً لا أبٌ يؤذن في أُذنه اليمنى ويقيم في أيسر الأذن، ولا حضن أُم ٍ ولا أخت تضحك فرحة الخبر.
ولد أبي في زمن الفقر و القحط والمكيال المسلوب.
كُفل أبي من قبل عائلة ٍ بدوية وسمي مبارك ولُقب (بروك ).. يبدو أنه كان مبارك على تلك العائلة، ربما على القبيلة أجمعها.
عاش وتربى عيشة البدوي الميسور الحال، تربى على مبادئ ومفاهيم وقيم أصيلة، كان حديثهُ الحكم والأمثال، ينصت بذهنه لحديث الكبار وفي صمته تتكلم عيناه بعزة نفس وكأنه شيخ القبيلة.
كبر ذلك الصبي وأصبح ورعاً، وقادرا على اتخاذ القرار. فكر في العودة لقبيلته إلى مسقط رأسه إلى( مطرح ) حيث قبيلة الهوت. إنه ذلك البلوشي الأصيل المنبت الذي زرعه القدر تائه الخطوات، ثابت الظل لا انكسار ولا اعوجاج رغم انكسار خاطره، وقسوة الظروف عليه. عاد إليهم بدوي النطق والملبس ولم يتعرفوا عليه، كان غريب الهيئة بالنسبة لهم، عدا خالته التي هي من رائحة أمه، احتضنته وبللت كتفه بالمدامع، حزناً على فراق أختها وحزناً على يتم أبي وبعده عنها. ولكن عودة أبي إليها قلبت آية الحزن إلى فرحة في قلبها، أكمل مشوار العمر معها بقسوة الحياة وطيب معيشها، حتى أصبح شاباً له عالمه الخاص.
وكلن يتحلى بقصة عشقه بأصله وهويته في الزي والخنجر العماني الأصيل. كان رجل الصحراء بكل تفاصيله كالرحال، بدء تجارته ببيع الخناجر والفضيات والسيوف بترحاله من مسقط إلى معظم ولايات السلطنة. وكأنه سفير لللتراث العماني ليحفظ الزي العماني في حله وترحاله أينما كانت خطواته.
حتى استقر في متجرٍ بسيط في سوق مطرح، وكان متجره البسيط ميناءً يرسي عليه السياح الأجانب، واشتهر دكانه البسيط بإسمه العظيم الذي كوّنه من عرق جبينه، وتعارفه بتجار الأسلحة التقليدية والفضيات والعصي، فكان دكانه مقصد تجار الولايات العمانية، ولا زال اسمه يلقى صدىً واسع في سوق مطرح والبلاد. كما كان يروي لنا قصته.



