الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

القيم الإنسانية في الإدارة : قوة ناعمة لتحقيق الاستدامة

  خلف بن سليمان البحري

الإدارة في جوهرها ليست نظامًا جامدًا من التعليمات ولا سلطة تُمارس على الآخرين، بل هي انعكاس للقيم التي يحملها الإنسان، ودليل على ما يختزنه من مبادئ تُوجّه مساره وتحدد طبيعة أثره. ومن هنا، فإن القيم الإنسانية لا تُعد زينة إضافية في العمل الإداري، بل هي البوصلة التي تمنح القرارات معناها، والعلاقات المهنية روحها، والمسؤوليات العامة استدامتها.

لقد أكد القرآن الكريم أن القيم هي أساس العمران وبناء المجتمعات، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]. فالعدل قيمة جامعة تحفظ التوازن وتُشعر الجميع بالإنصاف، والإحسان يُضفي على العمل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الواجب، والكرم في العطاء يعكس مسؤولية اجتماعية تتعدى المصالح الفردية. هذه المبادئ القرآنية ليست بعيدة عن الإدارة، بل هي جوهرها الأصيل.

وتأتي السنة النبوية لتؤكد ذلك، فقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهو حديث يُلخّص مفهوم الإدارة كأمانة ومسؤولية قبل أن تكون سلطة أو امتيازًا. إن هذه التوجيهات لا تنحصر في بعدها الديني فحسب، بل تحمل دلالات إدارية حديثة، تُظهر أن المسؤولية القيادية قائمة على القيم، وأن غيابها يُفرغ المنصب من مضمونه.

كما تؤكد الدراسات الحديثة أن المؤسسات التي تُعلي من شأن القيم الإنسانية تحقق استدامة أكبر. فبحسب تقارير عالمية في مجال السلوك التنظيمي، ترتفع مستويات الرضا والإنتاجية في بيئات العمل التي يسودها العدل والاحترام بما يتجاوز 30%، في حين أن غياب هذه القيم يؤدي إلى تراجع الولاء وارتفاع نسب التسرب الوظيفي. وتُظهر تقارير الحوكمة أن المؤسسات الأكثر التزامًا بالشفافية والمصداقية تحافظ على استثماراتها وتنمو بشكل أسرع مقارنة بغيرها. هذه الأرقام ليست شعارات مثالية، بل براهين عملية على أن القيم أدوات استراتيجية لبناء الاستدامة.

ولعل التاريخ يقدم لنا شواهد ناطقة على قوة القيم في الإدارة، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالًا للعدل الذي رسّخ الطمأنينة في قلوب الناس، حتى قال فيه أحد معاصريه: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت». ليست هذه العبارة مجرد وصف تاريخي، بل معادلة إدارية دقيقة مفادها أن العدل يولّد الأمن، والأمن يصنع الطمأنينة، والطمأنينة تضمن استمرارية الدولة والمجتمع.

إن القيم في الإدارة تُشكّل قوة ناعمة لا تُمارَس بالقوة المباشرة، وإنما تتغلغل في النفوس وتؤسس لعلاقات متينة بين المسؤول ومرؤوسيه، وبين المؤسسة ومجتمعها. وحين تترسخ القيم، تتحول المؤسسة إلى كيان يحظى بالثقة ويكتسب الشرعية، فلا يعود نجاحها مرهونًا بالإنجازات الآنية فحسب، بل ممتدًا إلى أثر طويل الأمد يُجسّد الاستدامة بأبهى صورها.

وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، يبقى الثابت الأصيل هو أن الإدارة بلا قيم كالجسد بلا روح. أما الإدارة المؤطّرة بالقيم، فإنها تتحول من مجرد مهنة إلى رسالة إنسانية راقية، ومن مجرد وسيلة إلى غاية سامية تُعزّز كرامة الإنسان وتُسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights