ٱلْمَدْرَسَةُ وَبِنَاءُ ٱلْهُوِيَّةِ ٱلْعُمَانِيَّةِ

د. مُحَمَّد بن خلفان الزَّفِيتِي
مشرف الهوية والمواطنة بوزارة التربية والتعليم
فِي زَمَنٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ التَّحَوُّلَاتُ وَتَتَدَاخَلُ فِيهِ الثَّقَافَاتُ، تَبْرُزُ المَدْرَسَةُ بِوَصْفِهَا المُؤَسَّسَةَ الأَقْرَبَ إِلَى تَشْكِيلِ وَعْيِ الأَجْيَالِ وَصِيَاغَةِ اتِّجَاهَاتِهِمْ. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَبْنًى يَحْتَضِنُ حِصَصًا دِرَاسِيَّةً، بَلْ بِيئَةٌ يَوْمِيَّةٌ تَتَكَوَّنُ فِيهَا القِيَمُ، وَتَتَبَلْوَرُ فِيهَا مَعَانِي الِانْتِمَاءِ، وَيَتَشَكَّلُ فِيهَا إِدْرَاكُ الطَّالِبِ لِوَطَنِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.
وَمِنْ خِلَالِ الزِّيَارَاتِ الإِشْرَافِيَّةِ لِمَدَارِسِ الحَلَقَةِ الأُولَى أَثْنَاءَ تَدْرِيسِ مَنْهَجِ الهُوِيَّةِ وَالمُوَاطَنَةِ، تَتَجَلَّى مَوَاقِفُ تَرْبَوِيَّةٌ حَيَّةٌ تَعْكِسُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الهُوِيَّةُ مِنْ مَفْهُومٍ يُشْرَحُ إِلَى تَجْرِبَةٍ تُعَاشُ دَاخِلَ المَدْرَسَةِ. فَفِي أَحَدِ الصُّفُوفِ، طَلَبَتْ مُعَلِّمَةٌ مِنْ طَلَبَتِهَا أَنْ يَتَحَدَّثَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ رَمْزٍ مِنْ رُمُوزِ عُمَانَ، فَرَفَعَ أَحَدُ الأَطْفَالِ يَدَهُ قَائِلًا: «أَنَا أُحِبُّ الخِنْجَرَ لِأَنَّهُ يَرْمُزُ لِعُمَانَ». تَحَوَّلَتْ تِلْكَ الإِجَابَةُ البَسِيطَةُ إِلَى حِوَارٍ ثَرِيٍّ حَوْلَ رَمْزِيَّةِ الخِنْجَرِ فِي الثَّقَافَةِ العُمَانِيَّةِ، وَكَيْفَ يُعَبِّرُ عَنِ الأَصَالَةِ وَالِاعْتِزَازِ بِالوَطَنِ.
وَفِي زِيَارَةٍ أُخْرَى خِلَالَ الطَّابُورِ الصَّبَاحِيِّ، لَاحَظْتُ مَجْمُوعَةً مِنَ الطَّلَبَةِ يَتَقَدَّمُونَ لِتَقْدِيمِ فِقْرَةٍ قَصِيرَةٍ عَنِ القِيَمِ العُمَانِيَّةِ، فَتَحَدَّثَ أَحَدُهُمْ عَنِ التَّعَاوُنِ وَاحْتِرَامِ الآخَرِينَ، ثُمَّ خَتَمَ كَلِمَتَهُ بِعِبَارَةٍ: «نُحِبُّ عُمَانَ عِنْدَمَا نُحَافِظُ عَلَى أَخْلَاقِنَا». كَانَ المَشْهَدُ بَسِيطًا، لَكِنَّهُ يَعْكِسُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلطَّابُورِ الصَّبَاحِيِّ أَنْ يَكُونَ مَسَاحَةً يَوْمِيَّةً لِتَرْسِيخِ مَعَانِي الِانْتِمَاءِ.
كَمَا شَهِدْتُ فِي إِحْدَى المَدَارِسِ نَشَاطًا طُلَّابِيًّا حَوْلَ المَوْرُوثِ العُمَانِيِّ، حَيْثُ أَحْضَرَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ نَمَاذِجَ تُرَاثِيَّةً صَغِيرَةً وَتَحَدَّثُوا عَنْهَا أَمَامَ زُمَلَائِهِمْ. لَمْ يَكُنِ الهَدَفُ عَرْضَ الأَشْيَاءِ فَحَسْبُ، بَلِ اسْتِحْضَارَ القِصَصِ وَالمَعَانِي المُرْتَبِطَةِ بِهَا، لِيَشْعُرَ الطَّلَبَةُ أَنَّ التُّرَاثَ لَيْسَ شَيْئًا بَعِيدًا عَنْ حَيَاتِهِمْ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ.
وَتَكْشِفُ مِثْلُ هَذِهِ المَوَاقِفِ أَنَّ الهُوِيَّةَ العُمَانِيَّةَ لَا تُبْنَى عَبْرَ المُقَرَّرَاتِ الدِّرَاسِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ خِلَالِ الثَّقَافَةِ المَدْرَسِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا: فِي الصَّفِّ، وَفِي الطَّابُورِ الصَّبَاحِيِّ، وَفِي الأَنْشِطَةِ، وَفِي أُسْلُوبِ العَلَاقَاتِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ المَدْرَسِيِّ. فَالمَدْرَسَةُ الَّتِي تَمْنَحُ الطَّلَبَةَ فُرْصَةَ المُشَارَكَةِ وَالحِوَارِ، وَتَرْبِطُ التَّعَلُّمَ بِوَاقِعِ المُجْتَمَعِ، تُعَمِّقُ شُعُورَهُمْ بِالِانْتِمَاءِ وَتَجْعَلُ الوَطَنَ حَاضِرًا فِي وَعْيِهِمْ لَا كَمَوْضُوعٍ دِرَاسِيٍّ، بَلْ كَقِيمَةٍ يَعِيشُونَهَا.
إِنَّ بِنَاءَ الهُوِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةُ مَنْظُومَةٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَبْدَأُ مِنْ رُؤْيَةٍ وَاضِحَةٍ، وَتَنْعَكِسُ فِي بِيئَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ وَاعِيَةٍ تُدْرِكُ أَثَرَهَا العَمِيقَ فِي تَشْكِيلِ الإِنْسَانِ. فَالمَدْرَسَةُ لَيْسَتْ مَحَطَّةً عَابِرَةً فِي حَيَاةِ الطَّالِبِ، بَلْ تَجْرِبَةٌ مُمتَدَّةٌ تَتْرُكُ بَصْمَتَهَا فِي فِكْرِهِ وَسُلُوكِهِ وَتَطَلُّعَاتِهِ.
وخلاصة القول:
وَهُنَا يَتَجَلَّى دَوْرُ المَدْرَسَةِ وَالمُعَلِّمَةِ فِي تَرْسِيخِ القِيَمِ وَتَعْزِيزِ الِانْتِمَاءِ، ولَا يَسَعُنَا فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَّا أَنْ نُثَمِّنَ الجُهُودَ المُخْلِصَةَ الَّتِي يَبْذُلُهَا المَعْلِمُونَ وَالمَعْلِمَاتُ، وَالقِيَادَاتُ المَدْرَسِيَّةُ، فِي تَرْسِيخِ القِيَمِ وَتَعْزِيزِ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ لَدَى أَبْنَائِنَا الطلبة، وفِي تَنْشِئَةِ جِيلٍ يَعْتَزُّ بِوَطَنِهِ.
سلسلة: بهويتي أبني وطني – تأملات في بناء الإنسان العُماني المقال الثالث



