ما بين الحلم والواقع
فهد بن عبدالله السعدي
في المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع، تنبثق منطقة غامضة، تتوشّح بظلال اللغة وتتلألأ ببريق الخيال. هناك، في ذلك الهامش الدقيق، تنطق الكلمات بلسانٍ مختلف، وتتشكل المعاني كأجنحةٍ من رجاء أو خيبة، من أملٍ أو صدمة. فالحلم ليس مجرد صورةٍ هاربة من صرامة الواقع، ولا الواقع جدارٌ منيع أمام سيل الأمنيات، بل هما عالمان متداخلان، يتصارعان داخل الإنسان، وفي لغته أيضًا.
اللغة، بما تحمله من رمزية وقدرة على التصوير والتأويل، هي الجسر الذي نعبر من خلاله بين الحلم والواقع. بالكلمات نعبّر عن هواجسنا، وبالجمل نبني عوالم نودّ أن نحياها، ونفرغ على الورق شحنات من الحنين أو الأمل، قد لا نجد لها موطئًا في تفاصيل أيامنا. كم من كلمةٍ أطلقت العنان لمخيلة صاحبها، فحلّق في فضاءاتٍ لا تحدها حدود، وكم من عبارةٍ كانت بذرة لفعلٍ واقعي، كأن اللغة سبقت الفعل ومهّدت له الطريق.
وفي هذا الفضاء الرحب بين الحلم والواقع، تتجلى قصصٌ تُثبت كيف يمكن للرؤى أن تتجذر في تربة الأيام وتزهر في تفاصيل الحياة. خذ مثلاً قصة “توماس إديسون”، ذلك الفتى الذي نشأ بين ضجيج القطارات وهمسات الكتب، كان يحلم بأن يبدد الظلام، فتجاوز سخرية من حوله بإصراره، حتى أضاء العالم باختراعه المصباح الكهربائي. حلمه لم يكن خيالًا عابرًا، بل بذرةً غُرست في أعماقه، وسقاها بالعلم والمثابرة حتى أصبحت واقعًا يعيشه الجميع.
ما بين الحلم والواقع، تتماوج اللغة وتتلون؛ أحيانًا تكون ستارًا يحجب الحقيقة، فتغدو الكلمات أقنعةً تخفي خلفها المشاعر والتجارب، وأحيانًا أخرى تتحول إلى شعاعٍ يخترق أعماق النفس، كاشفًا زوايا لم نكن نعلم بوجودها. اللغة قادرة على التلاعب بالزمن؛ تعيدنا كلمة إلى ماضٍ جميل، وتأخذنا عبارة إلى مستقبلٍ لم يولد بعد. وهنا تتجلى قدرة الإنسان على إعادة تشكيل واقعه عبر الحلم، وصياغة أحلامه بالكلمات ليمنحها فرصة التحقق.
ينقسم الناس في علاقتهم بالحلم والواقع إلى فئات متعددة؛ فهناك من يعيش في كنف الواقع، تحكمه التجربة والمنطق، لا يمنح الحلم مساحةً تُذكر. وهناك من يسكن الحلم، يرى في كل شيء بذورًا للتغيير، ويؤمن بأن اللغة قادرة على خلق حقائق جديدة. وبين هؤلاء وأولئك، توجد فئة ثالثة تدرك أهمية التوازن؛ تعلم أن الحلم غذاءٌ للروح، كما أن الواقع أساسٌ لا بد منه لانطلاق أي أمنية.
أعظم الإبداعات الإنسانية وُلدت من رحم الحلم، ثم وجدت طريقها إلى الواقع عبر اللغة. صحيح أن اللغة وحدها لا تصنع الواقع، لكنها تلهم وتدفع وتغيّر. في لحظات الكتابة الصادقة، يقف الإنسان على الحافة: عينٌ ترنو إلى الغد، وأخرى تراقب الحاضر. تسأل اللغة نفسها: أيهما أقرب إلى الحقيقة، الحلم أم الواقع؟ وربما يكون الجواب أن كليهما ضروريان لنضج التجربة الإنسانية.
وفي الختام، ما بين الحلم والواقع، تبقى اللغة سفينتنا التي نعبر بها بحار اليقظة والمنام، نكتب بها أمانينا، ونحمل بها خيباتنا، ونكتشف من خلالها أن الحياة أجمل حين نحلم بلا حدود، ونعمل بلا كلل لتحويل تلك الأحلام إلى واقعٍ ملموس.



