الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

رجل القرآن والشاعر الزاهد .. جمعه العلوي رحمه الله

    محمد بن سعيد العلوي

في حياة الأمم تشرق نجوم وتغيب أخرى، غير أنّ بعض النجوم يبقى ضياءها ممتدًّا حتى بعد أن يطويها الغياب. وهكذا كان أخي الحبيب، الشيخ الزاهد جمعه العلوي، رجل القرآن، والشاعر المخلص، والمربي الفاضل، الذي عاش للدين والقضية، ووهب قلبه للقرآن ولسانه للشعر وروحه لفلسطين، ثم رحل إلى رحمة الله قبل سنتين ونصف، تاركًا لنا إرثًا من النور لا يبهت مع الأيام .

رجل القرآن والسنة ..

منذ نعومة أظفاره ارتبط بالقرآن الكريم، فكان حافظًا متدبرًا لمعانيه، متشربًا بروحه. لم يكن الحفظ عنده مجرد ترديد، بل حياة كاملة يزن بها أفعاله وأقواله، ويتخذها منهجًا ودليلًا. وإلى جانب ذلك كان حافظًا للسنة النبوية، متمسكًا بأحاديثها، مؤمنًا أنّ اكتمال الدين لا يتحقق إلا بالجمع بين الكتاب والسنّة.

زاهد في الدنيا غنيٌّ بالنفس ..

لقد غرس القرآن في قلبه الزهد، فكان مترفعًا عن زخارف الدنيا، لا يطلب مالًا ولا جاهًا. عاش ببساطة، كريم العطاء، رقيق القلب، قريبًا من الكبير والصغير، يترك في كل مجلس أثرًا من هدوء الروح وصدق الكلمة.

الشعر جهاد بالكلمة ..

لم يكن الشعر عنده لهوًا أو غزلًا، بل كان جهادًا بالقلم. كتب عن فلسطين والقدس وغزة، وجعل من قصائده سلاحًا في وجه الظلم، يهتف بها ضد الصمت ويناصر بها المظلومين. لم تكن أبياته حروفًا منمقة، بل دموعًا ودماءً ورسائل ثبات وصوتًا من أصوات الأحرار.

وكان يؤمن أنّ الشعر رسالة، وأنه إن لم يُسخَّر للحق فهو ضياع. لذلك كتب وكأنه يقاتل، يقارع الاحتلال والظلم بكلماته كما يقارعه المجاهد بسلاحه.

الأقصى أمله الكبير ..

كان المسجد الأقصى حاضرًا في قلبه ووجدانه، يحلم أن يصلّي فيه يوم الفتح، ويردد دائمًا: “إن لم أدركه في حياتي، فأسأل الله أن يكتب لي أجر النية”. أيقن أنّ وعد الله حق لا يتخلف، وأن الأقصى سيعود مهما طال الليل واشتد البلاء.

خاتمة مشرقة ..

جاء الموعد المحتوم فاختاره الله إليه قبل عامين ونصف، في خاتمة من أجمل ما يتمناها مؤمن، إذ كانت آخر كلماته على فراش الرحيل: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله”. رحل ولسانه عامر بالشهادة، وقلبه معلق بالله، وروحه معلقة بفلسطين.

وصية شعرية للأمة ..

ترك لنا وصية من الشعر الحر بأبيات شعرية تشبه صوته الحي، تتردّد كأنها نداء مستمر:

صلوا وصلينا على رسول الله.

هو حطم الكافر بحد الباترة.

بقدرة الله خالقٍ أرض وسماه.

الأمر أمره والخلايق صاغره.

بانت فضايح أصحاب المكر والجاه.

كم صدعونا فالمساء والباكرة.

يا غزة المعزة والكرامة والوفاة.

أشهد عرينن لليوث الكاسرة.

أما النطيحة والنعامة والقطاة.

لا ترتجي منهم نصر ومؤازره.

وكذا دمير الشور ليحاتي قفاه.

حذرك تحذر لا يصيب الخاصرة.

أما المطبل لي يطبل للطغاه.

تفل فوجهه ولتغرك مظاهره.

حاشا الرخامه عنه والمدح يعداه.

لنه قليل الأصل ومعروفه مخابره.

الحافظ الله يحفظ الأقصى وثراه.

ويسدد الرمي بسواعد ماهره.

يا غارة الله غيثي أبطال وسراه.

أهل التوكل والقلوب الصابره.

وخطفي على الباطل وزيدي في عناه.

يلين ما تفنى فلول عساكره.

الموت أرجو لكن في سبيل الله.

أو ركعتينن في الأقصى المحاصره.

النصر قادم أقسم بالذي أنشاه.

هكذا الخبر جانا ومعلومه مصادره.

توبوا يا خوتي وكلن يرتجي مولاه.

سبحانه الغفار دنيا وآخره.

رحمة ووفاء ..

رحم الله فقيدنا، المربي والشاعر الزاهد، رجل القرآن الذي عاش للحق ورحل على كلمة التوحيد. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونوّر مرقده، وارفع درجته في عليين، واجزه عن كتابك وسنّة نبيك خير الجزاء، وعن فلسطين وأهل غزة خير الجزاء.

لقد علّمنا أنّ الكلمة لا تموت، وأن الشعر يمكن أن يكون جهادًا، وأن الوفاء للحق لا يزول. سيبقى حاضرًا بيننا بنوره، وبما غرسه فينا من حبٍ للقرآن وفلسطين والحرية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights