الخميس: 05 مارس 2026م - العدد رقم 2845
مقالات صحفية

ميابين … الحارة التي تعود إليها الذاكرة كل رمضان

حمود بن علي الطوقي 

في مسقط القديمة، حيث تتعانق الجبال مع البحر، وتستريح الحكايات بين الأزقة العتيقة، يقف قصر العلم العامر شامخًا كأحد رموز الدولة وهيبتها. وعلى مقربةٍ منه تمتد حارات قديمة شهدت فصولًا من تاريخ المدينة، ومن بينها حارة ميابين التي حملت بين جدرانها حياة الناس وذكرياتهم، وكانت يومًا جزءًا من المشهد القريب من مركز الحكم في بدايات النهضة المباركة.

في مساءٍ رمضانيٍ هادئ، تلقيت دعوة كريمة من الأخ الشيخ سعيد بن مالك الكندي، أحد أعيان حارة ميابين، ومن الأخ والزميل إسحاق بن يوسف الحارثي، أحد أبناء الحارة الذين ظلوا أوفياء للمكان رغم خروج العشرات من سكانها إلى أحياء أخرى في مسقط.

واليوم يتولى إسحاق، مع فريق من أبناء الحارة، مسؤولية توجيه الدعوة سنويًا لأبناء ميابين للالتقاء في إفطارهم الرمضاني الذي يقام في الرابع عشر من شهر رمضان، في مبادرة تحمل الكثير من الوفاء للمكان والحرص على بقاء خيوط الذاكرة متصلة بين أبنائه.

لم تكن الدعوة مجرد مشاركة في مائدة إفطار، بل كانت في حقيقتها دعوة إلى الذاكرة… إلى مكانٍ تختبئ في زواياه حكايات الناس وأصوات الأزمنة.

تقع حارة ميابين في ولاية مسقط، قريبة من قصر العلم العامر، وكانت في مطلع النهضة المباركة واحدة من الحارات التي جاورت مركز الحكم. لذلك سكنها عدد من المشايخ والعلماء ووجهاء المجتمع، فكانت أشبه ببيتٍ واسع يجمع بين الوقار والعلم، وبين بساطة الحياة العمانية القديمة ودفء العلاقات بين أهلها.

ومن يسير في أزقة الحارة اليوم يلمح بوضوح تلك الروح التي ما زالت عالقة بالجدران. بيوت متقاربة، وطرق ضيقة متعرجة، وأبواب قديمة كأنها تحفظ أسرار الذين مرّوا من هنا. كانت الحارة يومًا ما ملتقى لعدد من القبائل العمانية التي اجتمعت في هذا المكان الصغير، لكنها صنعت فيه عالمًا واسعًا من الألفة والجوار.

ومع امتداد العمران في مسقط، خرج كثير من أبناء الحارة إلى أحياء جديدة، كما حدث في كثير من الحارات القديمة. غير أن حارة ميابين لم تترك أبناءها تمامًا، بل بقيت في الذاكرة كما يبقى بيت الطفولة في القلب، مهما ابتعدت المسافات.

ولهذا يحرص أبناء الحارة على تقليد جميل يتجدد كل عام؛ إذ يجتمعون في الرابع عشر من رمضان على مائدة إفطار واحدة، يعودون فيها إلى المكان الذي جمعهم يومًا. هناك تتعانق الوجوه التي فرقتها الأيام، وتعود الأحاديث القديمة كما لو أن الزمن توقف قليلًا احترامًا لهذه اللحظة.

ومن المشاهد التي تشدّ الانتباه في هذا اللقاء الرمضاني تلك العلاقات الدافئة بين أبناء الحارة؛ فالكثير منهم يحرص على اصطحاب أبنائه الصغار، ليعرّفهم بالمكان الذي نشأ فيه. فيلتقي الصغار بالكبار، وتختلط الأجيال في عناقٍ صادق، بينما يستعيد الكبار ذكريات طفولتهم في أزقة الحارة. يتحدثون عن أيامٍ لم تكن تخلو من المقالب البريئة والضحكات الصافية، فتعود الحكايات وكأنها حدثت بالأمس، وتبقى الابتسامة مرسومة على وجوههم وهم يسترجعون تلك اللحظات التي صنعتها بساطة الحياة ودفء الجيرة.

ولا يقتصر هذا التجمع على مجرد اللقاء واستعادة الذكريات، بل يتحول أيضًا إلى احتفاءٍ بالأجيال الجديدة من أبناء الحارة. ففي هذه المناسبة يحرص الأهالي على تكريم الأطفال الذين أكرمهم الله بحفظ القرآن الكريم، حيث تُوزَّع عليهم الجوائز التشجيعية وسط فرحةٍ صادقة يشارك فيها الجميع.

وقد شارك في هذه الاحتفالية سعادة السيد سالم بن مسلم البوسعيدي الذي شارك الأهالي فرحتهم، وساهم في توزيع الجوائز التشجيعية على الأطفال حفظة القرآن الكريم، في مشهدٍ يعكس تقدير المجتمع لهذه المبادرات التي تربط الأجيال الجديدة بقيم العلم والقرآن وروح المكان.

وفي تلك اللحظات يبدو المشهد وكأنه رسالة متوارثة بين الأجيال؛ فالمكان الذي عاش فيه الآباء والأجداد ما زال ينبض بالحياة، وكأن دعواتهم التي تركوها خلفهم ما تزال تحرس الحارة. يرحل جيل، لكن الأثر يبقى، ويأتي الأبناء ليواصلوا المسيرة حاملين قيم المكان وروحه.

وأنا أراقب هذا الحشد من أبناء الحارة وهم يتبادلون السلام والذكريات، خطرت في بالي فكرة جميلة: ماذا لو أن كل الحارات العمانية التي خرج منها أبناؤها مع توسع المدن، اقتدت بتجربة حارة ميابين؟ ماذا لو اجتمع أهل كل حارة مرة واحدة في العام، يعودون فيها إلى المكان الذي شهد طفولتهم الأولى، فيجددون روابط الجوار ويعيدون الحياة إلى ذاكرة الأزقة القديمة؟

إن حارة ميابين ليست مجرد مجموعة بيوت قديمة، بل هي شاهد على مرحلة من تاريخ مسقط، وعلى مجتمعٍ صغير جمع بين أبناء قبائل مختلفة تحت سقف واحد من المودة. ولعل ما تتميز به من طبيعة عمرانية تقليدية، وطرق ضيقة، وبيوت تحمل ملامح الزمن، يجعلها مكانًا يستحق أن يُعرّف به كجزء من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمدينة.

وعندما هممتُ بمغادرة الحارة، استوقفني مشهدٌ صامت لكنه عميق الدلالة؛ المقبرة الصغيرة التي تتوسط الحارة. هناك يرقد الآباء والأجداد من أبناء ميابين، أولئك الذين عاشوا في هذه الأزقة يومًا وملؤوا المكان بحضورهم قبل أن يرحلوا في هدوء.

وقفتُ لحظة أتأمل المكان، وكأن المقبرة تهمس بحكمة الزمن؛ فهي تدرك أن أبناء الحارة الذين تفرّقوا في أحياء المدينة سيعودون يومًا ما… لا إلى بيوتهم القديمة هذه المرة، بل إلى مرقدهم الأبدي، حيث يلتقي جيل الأمس بجيل اليوم تحت ترابٍ واحد.

وهكذا تبقى حارة ميابين أكثر من مجرد حارةٍ قديمة؛ إنها ذاكرةٌ حيّة، وحكايةٌ يرويها المكان كل رمضان، لتؤكد أن بعض الأماكن لا تسكنها الجدران فقط… بل تسكنها الدعوات التي تركها الآباء والأجداد، وتواصلها الأجيال الجديدة وهم يحفظون القرآن ويعيدون للحارة نبضها عامًا بعد عام.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights