سيادة الذات !

محمد عبد الرحمن
حين كان جون ستيوارت مل” في مطلع صباه، وضعه والده تحت نظام تعليمي صارم ، كان يُجبره على قراءة الفلسفة والمنطق واللغات القديمة في سن يلهو فيها الأطفال بالألعاب. كبر “جون” وهو يملك عقلاً كالموسوعة، لكنه كان يشعر في أعماقه بأنه مجرد نسخة كربونية” من أفكار والده، وجهاز استقبال لآراء غيره !
في سن العشرين، داهمته أزمة نفسية حادة، اكتشف فيها أنه لا يملك “سيادة فكره .
قرر أن يعيد قراءة العالم بعينيه هو، لا بعيني والده. هذا القرار البسيط حوله من آلة ناطقة” إلى أحد أعظم المفكرين الذين دافعوا عن الحرية الفردية والسيادة الذاتية في التاريخ .
لقد أدرك أن المرء لا يكون حياً حقاً، إلا إذا كان هو من يجدف بقاربه في بحر الأفكار، لا من يتركه للأمواج تقذفه حيث تشاء !
وقبل أن نفتح نافذة الكلام وتطل منها على ملكوت العقل لا بد أن نؤكد على عدة مفاهيم أولاً :
1. القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، ونحن مأمورون بحراسة بوابة قلوبنا .
2. الهداية رزق ، ولكن البحث عنها سعي مأجور ، ومن طرق الباب ولج له.
3.سيادة الفكر لا تعني ترك الموروث بل تعني فهمه قبل اعتناقه .
4. من يقرأ يعيش حياة واحدة ، ومن يحي بتبعية يعيش حياة غيره.
لا شك أن السعي وراء التميز الفكري، والاستقلال برأيك عما يمليه “الترند” أو ضغط الجماهير في منصات التواصل، هو جهاد معاصر. وكلما كان الإنسان أوعى بخبايا نفسه، كان أقدر على حمايتها من “الاستلاب .
على أننا في كل دعوة للاستقلال، يجب ألا ننسى أن الآلاف تاهوا في دروب الإلحاد أو التطرف لأنهم ظنوا أن الاستقلال يعني التمرد على الفطرة أو الثوابت. نعم، هناك فرق بين “عقل حر” يبحث عن الحقيقة، وبين “هوى متبع” يظن صاحبه أنه يُحسن صنعاً .
التبعية الفكرية، وإن كانت تشعر الإنسان بالأمان الزائف وسط الزحام، إلا أنها نوع من الرّق المعاصر”، ولن يفهم هذا المعنى إلا شخص تحرر من سطوة “هكذا وجدنا آباءنا” إلى رحابة «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» .
ثمة شعور رائع في أن يمتلك المرء “بوصلة عقله”. أن يقرأ، ويقارن، ويحلل، ثم يختار ما يطمئن إليه قلبه ويصدقه يقينه، لا ما يمليه عليه مشاهير الغفلة” أو “أباطرة الضجيج” .
على أني لست من دعاة الشذوذ عن الجماعة في الحق، ولا الانفراد بالرأي لمجرد المخالفة، ولا مع هدم الموروث الجميل لأجل صرعة عابرة .
أنا مع “الوعي السيادي”.. ولكن سيادة الفكر، فعلاً، تستحق !


