يا أمة الإسلام .. أفيقوا

سليمان بن حمد العامري
يخبرني أبو ياسمين بعد الحادثة، حين اتصلتُ به، وكان في غاية اليأس، وكان صوته منكسرًا شاحبًا، يدل على أن عينيه قد ابيضتا من شدة الحزن، فقال:
قبل الفجر في ذلك اليوم، كانت زوجتي تطبطب على كتفي وتناديني، وبصوتها الحنون تقول: يا أبا ياسمين انهض… فقد حان أذان الفجر، وعليك أيضًا أن تأخذ ابنتك بعد شروق الشمس إلى المدرسة. ثم التفت إلى زوجتي وقلت: يا أم ياسمين، هل أيقظتِ ياسمين قبل الأذان لتشرب الماء؟ كنتُ قد أخبرتُها البارحة أنها لا تحتاج إلى الصيام، وقلت لها: يا حبيبتي، أنتِ ما زلتِ طفلة ولم يكلفك الله بالصيام بعد. لكنها أصرت وردت علي ردًا عجيبًا، ما زال صداه يتردد في قلبي.
قالت ببراءة صادقة: يا أبي، نحن خُلقنا لنعبد الله وحده، وأنا أحب الله ورسوله. هكذا كانت الحادثة… هكذا كانت تلك الليلة البسيطة، قبل أن تقع الفاجعة. نعم، كانت تلك ليلة ياسمين البريئة، الطفلة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها، تحمل في قلبها جمال العالم السوي كله، وطيب الإنسانية وصفاءها. لم تكن تعلم أن في هذا العالم وحوشًا تتخذ هيئة الإنسان، قلوبهم لا تحمل إلا القسوة والغل، ولا تسكنها سوى شهوة سفك الدماء. قلوبٌ نُزعت منها الرحمة، واستبدلها الشيطان بظلمةٍ لا تعرف إلا الفساد. وكما قالت الملائكة عندما وصفت حال بني آدم منذ أول الأمر حين قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. أما كيف علمت الملائكة ذلك، فهذا بابٌ نتركه للمفسرين والباحثين. لكن ما يعنينا هنا هو وصف الفساد وسفك الدماء في الأرض. لقد قتلوها… استشهدت هي وصديقاتها في صرح علم المدرسة التي تقع في شمال إيران… نعم، لم تكن هذه الحادثة الأولى؛ فالمآسي لم تعد تقف عند مكانٍ واحد، بل تتكرر من عدو واحدٍ تمادى في طغيانه، يضرب في بقاعٍ كثيرة من أرض أمة الإسلام،
حتى أصبح الألم واحدًا وإن اختلفت الأجناس واللغات.
أطفال كن يذهبن كل صباح ليزرعن في قلوبهن حب الحياة، وليأخذن نصيبهن من نور العلم. قتلوهن بدمٍ بارد… وبقلوبٍ غلفها الشيطان بالقسوة. حرموهن من أحلامهن البريئة، تلك الأحلام الصغيرة التي كانت تدور في خيالهن عما سيصبحن عليه عندما يكبرن. أي تهديدٍ شكلته هؤلاء الطفلات عليكم؟ وأي خطر كان في قلوبهن حتى تخافوا منهن؟ لم يكن يعرفن السياسة، ولا الصراعات، ولا الكراهية. كان عالمهن بسيط جداً: ضحكات، ودفاتر، وأحلام صغيرة، وقلوب مليئة بالحب. فيا من أفسدتم في الأرض… قد أصبتم بالاختلال في عقولكم، ومسامعكم، وأبصاركم، حتى غاب عنكم الحق، أما تذكرون التاريخ الأسود عليكم؟ إن “فرعون” الطاغية هو من قتل أبناء جنسكم، واستحيا نساءهم، وجعلكم تعيشون عبيدًا تحت سطوةِ طغيانه. ولم يكن مسلمًا. وإن “أدولف هتلر” هو من أغرق الأرض بالدماء أجدادكم ، وفتح أبواب الجحيم عليهم بأكملها، ولم يكن مسلمًا.
بعد هذا … يا أمة الإسلام… قد حان موعدكم، فالعدوّ قد طغى فيكم وتكبر؛ إن عدوكم واحد: الشيطان وأعوانه الصهاينة. فاتركوا ما اختلف فيه العلماء، فلستم مسؤولين عما اختلفوا فيه أمام الله. فكل واحدٍ منا سيأتي إلى الله تعالى يوم القيامة فردًا لا جماعة. وسوف نُسأل عن كل قطرة دمٍ سُفكت ظلمًا، وعن أرواحٍ كانت تشهد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ولهذا لا أجد أبلغ من صرخة الشاعر العماني “أبو مسلم” حين نادى الأمة محذرًا من الغفلة والانخداع، فقال:
أفيقوا بني القرآن إن هداكم
إلى الجبت والطاغوت في الذل ضارع
أفيقوا بني القرآن إن كتابكم
يناقض في أحكامه وينازع
تعيث قرود الجبت في سنة الهدى
إذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع
يعدون دين الله بهتًا وهجنة
وإن ليس من صوب الإله شرائع
وأن وقوع الدين في الأرض مفسد
وإن قوانين السماء فظائع
وإن الذي جاءت به الرسل كله
مضر لأسباب الرقي مصارع
وإن هدى الإسلام في الأرض ظلمة
ولو زال بانت للرقي سواطع
وإن بني الإسلام في همجية
وحوش تعادي في الفلا أو ضفادع



