أنت قدري…
إلهام السيابية
توقفت مياسة بسيارتها الفارهة أمام مطعم فخم مترددة في النزول ولكنها لم تأتي لتعود ستكمل ما جاءت من أجله، كانت بانتظارها صديقتها هدى التي أخذتها بالقبل والاحضان وهي تقول لها : لم أتوقع مجيئك .
ابتسمت مياسة بخبث وهي تقول : لم تتركي لي فرصة للتراجع فمثل هذا الرجل يجب ان أراه .
أخذتها لطاولة بعيدة بعض الشيء عن بداية المطعم وقبل ان تصل بها حيث يجلس شابا طويلا عريض المنكبين ابيض البشرة ، تمنت مياسة لو تنشق الأرض وتبتلعها.. فسحبت يديها من قبضة هدى وأسرعت بالخروج من المكان بلا عودة .
لم يكف هاتفها عن الرنين بينما كانت تستنشق هواء نظيفا بعيدا عن دواخن المطاعم وعوادم السيارات.
أغمضت عينيها لتنصت بهدوء لصوت تلاطم الأمواج وتكسرها على كاسرات الأمواج المصفوفة على جوانب البحر بكل قوة وعنف لما فعلت ذلك، كان عليها أن تواجهه ، ان تخرس ذلك الصوت الذي عذبها سنين طويلة ، كانت تبحث عنه ، وعندما كلت وتعبت وجدتة أمامها بكل بساطة.
ارتسم بعينيها حزن عميق وأخرجت صرخة قوية من أعماق نفسها المريضة بكل ما فيها من ألم وحزن فاحست برذاذ البحر على وجهها يلاطفها ويهدئ من غضبها ، لم يكن منها إلا أن تنهدت وهي تقول : اين كنت ؟؟جاءها صوتا واثقا من خلفها يقول : مازلت تحبين الهروب من المواجهة؟
تأملها احمد بعين ثاقبة ومر طيف رفيع من الذكريات أمام اعينهما لم ينسى انه احبها بجنون ، ملكت قلبه وعقله ووجدانه لم يمر يوما بدون ان يراها ليصبح ذلك اليوم من اتعس أيام حياته ،ولكنها أبنة التاجر المشهور الغني عن التعريف أما هو كان أبن موظف بسيط لم يكن معروفا ولا مشهورا ولاغنيا بل كان عفيف النفس ، علم أولاده أن لكل إنسان حق الحصول على الفرص ، لم يطلب يوما المساعدة من اي كان لأنه يعلم أنه لن يستطيع أن يردها، علم أبناءه انه يعيشوا بالكفاية لأنه لا يريد أن يأكل الحرام ولا يريد لهم ذلك، علمهم القناعة والرضا .
اما أباها الجشع لم يكن يحفل بذلك الموظف البسيط الذي يعمل. لديه، كانت تحت يدي العم بسام اثباتات تدين اباها في جرائم كثيرة منها السرقات البنكية و التلاعب بأموال الشركاء.
كانت تحب العم بسام كثيراً وتعرف ان أباها هو من تسبب في مقتله لذلك ابتعدت عن أحمد لكي لا تختار بين أبيها وبين من تحب ولا تجعل نفسها محطة لأنظاره و شكوكه ، رغم حبها الشديد له إلا أنها رفضت كل ما يتعلق به ،سافرت بعيدا لإكمال دراستها ولم تستطيع ان تنساه ، كان حلمها الجميل الذي دفن في قلبها حتى أحمد لا يعرف بذلك ، حاول والدها تزويجها وإجبارها على الزواج ؛ ولكنها رفضت ، لإنها لا تستطيع أن تعيش مع رجل وروحها معلقة بغيره .
_أما زلت تأتين لهذا المكان ؟؟
كان يتأملها بعينين ثاقبتين تسارعت دقات قلبهما وكل منهم ينظر للآخر .
_لم أتي الى هنا منذ زمن طويل . كذبت عليه، هي لا تجد راحتها إلا هنا ، مكان لقأهما الأول .
_كيف والدك ؟؟قالها بشيء من التهكم ،
_إنه يحتضر ..
لم تستطيع أن توقف دموعها ..
_ مياسة ؟
كانت نبرة صوتة حنونه وكان خائفا عليها ،نظرت لوجهه ، إنه أحمد الذي أحبت، الذي كان يخاف عليها من الهواء الطائر ..
_لن نلتقي أبدا
_لما
_من أجل غلطة أبي ،غلطة تفرق عن أخرى
_ولكني أحبك
إنها المرة الأولى التي تسمعها منه ، تمنت أن تكون الظروف أفضل ولكن للأسف سيظل طيف العم بسام دائما بينهما أسترسل في حديثه قائلا : لقد سافرت ونجحت وتقدمت لأصل إلى ما وصلت إليه من أجلك أنت فقط ، كل يوم كنت احلم أن يجمعني الله بك واجهت الكثير من الصعوبات والكثير من كلام التحطيم واليأس ولكن صورتك لم تغيب عني، هي من كانت تعطيني التحفيز للنجاح ،في البدايه حاولت ان انساك وتعرفت على نساء كثيرات ولكنك كنت ظلي الذي أستظل به وهوائي الذي أتنفسة ، لم أنساك رغم السنين التي مرت فانت حب الطفولة والشباب ، ليس لك ذنب فيما حدث في الماضي ‘.
نظرت اليه وهو يتحدث قائلا :
لقد فكرت كثيرا ، كل يحاسب ، ولكنك غير مسؤولة عن غلطة أبيك ، وأنا لا أريد أن أحرم منك ، أرجوك يا مياسة ، لقد درست التجارة لأكون قريبا منك وصاحبتك هدى كانت الخيط الذي اصل به لك ولكنك هربتي حتى قبل أن أتحدث إليك.
أمسك بيدها وكأنه يخاف ان تهرب منه من جديد قائلا: دعينا من كل ما مضى ولنبدأ حياة جديدة ..أخذ هاتفها يرن فتلقتة بتردد ، لقد جاءها خبر موت أبيها ،كان وقع الخبر عليها كبير ، لقد بقيت وحيدة من جديد ، كان أباها السند والملجأ صحيح انه كان طاغية وجشع ولكنه كان لابنتة الأمان من عثرات الزمن ، علمها ان تعتمد على نفسها ، ولا تتقبل الرضوخ للهزيمة بسهولة أبدا وعليها أن تحقق النجاح الذي تبتغي ولا تأخذ براي المحبطين.
كانت الطائرة ممتلئة ، لم تحفل بكل ماحولها كانت شاردة الذهن لا تفكر الا بمن شغل قلبها وتفكيرها ، تعالى صوت مكبر الصوت معلنا الاستعداد لتحرك الطائرة إلا أن صوتا قاطع المضيفة قائلا :
ابحث عن من سكنت قلبي ووجداني
ابحث عن تؤام روحي ومهجتي وكياني
مياسة
إنه صوت من تحب …
تقدم منها قائلا : هل تقبلين الزواج بي ؟
كانت مفاجأة ومن أجمل المفاجأت ، لقد قررت أن تطوي كل الصحف القديمة ، وستبدأ مع أحمد صفحة جديدة تخط لحظاتها بكل ما فيها من فرح ومرح من حزن وترح ، وتنسج خيوط المحبة في حياتهم القادمة بعيدا عن كل مايعكر صفو حياتهم ،المهم ان يكونا معا.


