الشهرة بين وهم الإبداع والخداع النقديّ

د. عيسى بن سعيد الحوقاني
أستاذ النقد الأدبي المساعد ـ جامعة الشرقية
لا يجد المطّلع على تاريخ أدبنا العربيّ كبير عناء في إدراك تكرار أسماء الشعراء الذين تناولتهم أقلام الكتّاب قديمًا وحديثا، فقد برزت قبل الإسلام أسماء شعراء المعلّقات، وفي صدر الإسلام برزت أسماء شعراء الدعوة الإسلامية، وفي العصر الأموي برزت أسماء المثّلث الأموي، وفي العصر العباسي برزت أسماء شعراء قصر الخلافة، في عصر الدول والإمارات برزت أسماء شعراء حاكم الإمارة كشاعر سيف الدولة الحمدانيّ، وهكذا استمر الحال في أدبنا العربيّ الحديث، وقد حققت هذه العناية الخاصة شهرة لأولئك الشعراء، إلّا أن هذه الشهرة وارت شعراء آخرين خلف الإهمال وربما النسيان.
ولا تعني شهرة الشاعر بالضرورة التفوّق الفنيّ، فقد يكون الشاعر المغمور أكثر إبداعا من الشاعر المشهور، فالشهرة قد تتحقّق نتيجة عوامل أخرى بعيدة عن الإبداع، كالقرب من السلطة سواء أكانت سياسية أم دينيّة أم اجتماعية.
وللشهرة الأدبيّة قوة جاذبية لا تجرّ المتلقي العادي فحسب؛ بل قد ينجرّ خلفها المتخصّصون من الكتّاب والنّقاد؛ فالنحاس الملمّع المعروض تحت الأضواء الساطعة يخدع العين فتخاله ذهبا ولن يعرف كنهه غير المتخصّص، فالمستهلك في أمان ما دام محاطًا بمتخصّصين أمناء يجنبونه الوقوع ضحية للغش، ولكن الخشية كل الخشية من الوقوع تحت قبضة متخصّصين غير أمناء يبيعون النحاس على أنه ذهب.
وفي عصر التواصل الاجتماعي أصبح تحقيق الشهرة أمرا سهلًا؛ إذ يستطيع الكاتب جذب المتابعين في هذه المواقع والاستمتاع بكلمات الثناء والتبجيل على كل نصّ ينشره مهما كان مستواه الفنيّ، ولا ضير في ذلك، فللمتلقي حق التعبير عن استحسان النص أو استهجانه، وله حقّ مجاملة ذلك الكاتب وتبجيله وتمجيده، ولكن الخشية من انجرار النقّاد والباحثين المتخصّصين إلى هذا الميدان؛ فما يصدر عن المتخصّص يعدّ حكمًا نقديّا، وعليه قد تبنى دراسات أكاديميّة، فيستشهد بتلك الأحكام الدارسون الذي يأتون بعده، وقد وجدنا الكثير من الاستشهادات بهذه الأحكام المرسلة في البحوث المقدمة لنيل الدرجات العلميّة.
ولا شكّ في أنّ الباحث ـ وإنْ كان مبتدئًا ـ لا يُعفى من مسؤولية التحقّق من دقة الأحكام النقدية التي ينقلها عن غيره؛ إلّا أنّ المسؤولية أكبر على ذلك المتخصّص الذي أطلق تلك الأحكام مجاملة لكاتب تربطه به صلة قرابة أو صداقة.
وقد تجاوز الأمر ـ للأسف الشديد ـ عند بعض الأكاديميين إلى خرق الأسس النظرية والقواعد المنهجية في إطلاق الأحكام النقدية، إما مجاملة أو تزلفًا من كاتب يخطبون ودّه لمكانته الاجتماعية أو منصبه الوظيفيّ.
ويبقى التساؤل مشروعا عن الأسباب التي تدفع بعض الأكاديميين إلى هذه التجاوزات العلميّة؟ ولا شكّ في أنّ الدوافع تختلف من أكاديمي إلى آخر، فهناك من يخطب ود المتنفّذين من الكتّاب، وهناك من يتعصّب لكاتب بدوافع إيديولوجية، وهناك من يستسلم للحياء من الكاتب يحين يستجدي منه الكتابة عن منتجه الكتابيّ.
لقد لجأ بعض الكتاب إلى استجداء النقّاد للكتابة عن إنجازاتهم، وذلك بالتواصل مع الأكاديميين والطلب المباشر أو غير المباشر للكتابة عنهم وعن إنتاجهم، وقد يقع الأكاديمي هنا ضحية الحياء من نهر ذلك المستجدي وزجره، بل قد يمنعه ذلك الحياء من ردّه ردًّا جميلا، فيضطر للكتابة عنه مجاملة، وإذ وفّق ذلك الناقد للتمسّك بشيء من الموضوعيّة فأحجم عن تمجيد ذلك الكاتب المستجدي؛ فإنّه على أقل تقدير سيلجأ إلى تلمّس جوانب القوة في نصوصه وإبرازها وتضخيمها، ويغض الطرف عن جوانب الضعف في تلك النصوص، وقد يبدو صنيعه للوهلة الأولى حلًّا وسطًا؛ إذ لم يلق الأحكام النقدية جزافًا ولم يخدع المتلقي بتلك الأحكام، إلّا أنّ الاكتفاء بإبراز جوانب القوة فيه تستّر واضح على جوانب الضعف وهذا الأمر يعدّ ضربًا من الخداع النقديّ.
فكما أنّ شهرة بعض الأدباء قديمًا ليست دليلا على تفوقهم، فإنّ شهرة بعض الأدباء المعاصرين ليست دليلا على تفوقهم على أبناء عصرهم، فلم تكن الشهرة يومًا مقياسا من مقاييس الإبداع الأدبيّ؛ فإنْ انخدع بها المتلقي البسيط فيجب على الناقد الحاذق المتمرّس أن يضطلع بدوره في تمييز جيّد النصوص من رديئها، وألا يصبح ناقدًا مرتزقًا يقتات من مدح نصوص أصحاب المكانة من الكتّاب والأدباء، فالمكانة الإبداعية في النقد الأدبي تعلو على أي مكانة أخرى سواء أكانت سياسية أو دينيّة أو اجتماعية أو وظيفيّة.



