مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. حين رسمت الفنانة التشكيلية سناء ما رأته عائش.. لوحةٌ أزاحت عن الغياب حجابه

 عادل بن حميد الجامعي

في مجالس التأبين يتحدث الأحياء عن الراحلين، وينتخبون من الذاكرة ما يليق بمقامهم.. غير أن الفنانة سناء بنت سعيد بن عبدالله الحميدية -حفظها الله- اختارت لفقيدتنا عائش -رضي الله عنها- مسلكًا أكثر حميمية: أعادت إليها صوتها، وتركتها تخاطبنا من خلال شعرها:

> رأيتُكَ نورًا مبينًا أزاحَ الحجابَ

> وأنارَ طريقَ السُّراةْ

> رأيتُكَ في كلِّ شيءٍ جميلٍ

> وكلِّ عظيمٍ زها في عُلاهْ

هذان البيتان من قصيدة عائش (لأجلك أحيا)، التي حملها صوت المنشد الرائع فراس بن موسى بن سالم السليمي إلى آفاق واسعة، ثم عادت يوم التأبين لوحةً تتعانق فيها الكلمة واللون.

وقفت أمامها، فلم أرَ صورة عائش، ورأيت ما هو أبقى من الصورة: وجهتها.. النور الذي اتجه إليه قلبها.. والجمال الذي عبرت منه إلى معرفة خالقه.

كتبت عائش يومًا عن نور يزيح الحجاب، ثم مضت هي وراء حجاب الغياب.. حجبها الموت عن عيوننا، وبقي شعرها يرفع طرفًا من ذلك الحجاب، ويعيدها إلينا معنىً وصوتًا وبصيرة.

مناجاة تنتقل من الافتقار إلى المحبة، ومن تأمل الماء والزهر والشمس والبدر والروض والطير إلى شهود دلائل القدرة والجمال.

وحين تقول:

> رأيتُكَ نورًا مبينًا أزاحَ الحجابَ،

فإنها ترى بقلبها قبل عينها، وتهتدي من الأثر إلى مؤثره، ومن جمال الصنعة إلى جلال الصانع.. لم يكن الكون عند عائش مشهدًا عابرًا، وإنما كتابًا مفتوحًا على معرفة الله.

ولهذا جاءت اللوحة متوهجةً، بعيدةً عن سواد الحداد.. يفيض أعلاها بالأصفر الفاقع -البرتقالي: كما علمتني عائش عن أبي رضي الله عنهما قوله: أن الأصفر الفاقع الذي يسر الناظرين هو البرتقالي- والذهبي والأحمر، ثم ينساب نحو زرقة عميقة.. وكأن الفنانة الجميلة سناء أدركت أن الوفاء لعائش يقتضي إبقاء الجمال الذي رأته حيًّا، وألّا يبتلع سواد الحزن ألوان عالمها.

في الأصفر الفاقع ضوء الشمس وحرارة اللهيب.. إشراق الذكرى واحتراق القلب، نضج الثمرة واقتراب الغروب.. وفي الأزرق سكينة ما بعد الصدمة، وعمق التأمل، واتساع الغيب.. فإذا هبطت العين من أعلى اللوحة انتقلت من وهج الحياة إلى سكون الرحيل، وإذا صعدت من أسفلها عبرت من الحزن إلى الرجاء.

وفي مركزها كتلة دائرية تجمع في إيحائها بين الشمس والثمرة والقلب وجذع الشجرة؛ كأنها حياة اكتمل نضجها، وقلب امتلأ حبا، وشجرة تحفظ في حلقاتها أعوامها.. وفيها تتردد أصداء عالم عائش الشعري: موجودات متعددة، تجمعها دلالة واحدة على خالقها.

وتقول عائش:

> رأيتُكَ في كلِّ شيءٍ جميلٍ.

فترفع الجمال من متعة العين إلى منزلة الدليل؛ كل جميل عندها نافذة، وكل بهاء علامة، وكل نعمة طريق إلى المنعم جل جلله.. ثم تصعد بقولها:

> وكلِّ عظيمٍ زها في عُلاه.

فيجتمع في القصيدة جمال يورث المحبة، وعظمة تبعث الهيبة؛ ويجتمعان في اللوحة ضوءًا ممتدًا وفضاءً صاعدًا.

أما (طريق السراة)، فقد مسّني في مجلس التأبين مسًّا آخر.. فالسُّراة أهل الفضل والمروءة، وفي الكلمة صدى السُّرى؛ مسير الليل حين يفتقر السائر إلى نور يهديه.. وما آل عائش ومحبوها إلا سائرون في ليل الفقد، يبحثون عن سبيل بين الحنين والتسليم..

هنا أصبح بيتها الشعري مصباحًا لنا.. عادت الكلمات التي كتبتها في حياتها لترافقنا بعد رحيلها، كأنها أعدّت، من غير أن تدري، شيئًا من العزاء الذي سنحتاج إليه يوم تغيب.

وقد وُفقت الفنانة سناء في اختيار هذين البيتين؛ فالنور والحجاب والطريق والجمال والعلو معانٍ تستطيع الريشة أن تمنحها جسدًا.. لذلك لم تكن الكلمات شرحًا للرسم، ولا الألوان زينةً حول القصيدة.. كان الحرف لونًا، وكان اللون امتدادًا للحرف.

حتى الكلمات التي يكاد بعضها يذوب في وهج الخلفية.. تشبه ذاكرتنا عن الراحلين: تبقى عبارة، وتخفت نبرة الصوت؛ يشرق موقف، وتتوارى أطرافه.. ويظل المعنى بعدما نعجز عن استعادة اللحظة كاملة.

وبين حبيبتنا عائش والفنانة سناء والرائع فراس اكتملت رحلة بديعة للأثر: ابتدأ المعنى قصيدةً في قلب عائش، ثم صار نغمًا في صوت فراس، واستحال لونًا في ريشة الفنانة سناء، حتى بلغ مجلس التأبين ذاكرةً مشتركة.

أحالت الفنانة سناء معاني عائش إلى صمت مشبع باللون؛ صمت تستطيع العين أن تسمعه. فغدت اللوحة ملتقى شعر ابتكر الرؤية، وإنشاد منحها النفس، وتشكيل ألبسها الضوء.

وفي مركز هذا اللقاء تحضر عائش صاحبةَ تجربة روحية، لا موضوعًا لوصف الآخرين.. فاللوحة لم تجعلها هي (النور المبين)، ولم تنقل إليها ما قالته في مناجاة ربها؛ وإنما حفظت وجهتها، وأظهرتها إنسانةً رأت دلائل الله في الجميل والعظيم.

وأجمل ما نصنعه للراحل أن نحفظ قبلته الداخلية: المعنى الذي عاش له، والنور الذي التمسه، والأثر الذي أراد أن يتركه.

لم تقدني اللوحة إلى قبر عائش؛ إنما أعادتني إلى قلبها وهو يتأمل الماء والزهر والشمس والسماء.. حفظتها شاعرةً ترى الجمال عبادةً، والكون طريقًا، والنور هداية.

وحين سألت نفسي: أين عائش في هذه اللوحة؟ وجدتها في فعل يتكرر مرتين:

 رأيتك.

وجدتها في المسافة بين العين والبصيرة، وفي صوت فراس وهو يمنح كلماتها حياةً أخرى، وفي يد الفنانة سناء وهي تضعها برفق أمام قلوبنا.

رسمت الفنانة سناء ما رأته عائش، فرأينا عائش من خلال ألوانها ورؤيتها.

رحم الله أختنا عائش رحمةً تليق بقلب أبصر الجمال، وروحٍ فتشت عن الله في النور والزهر والماء والسماء.

وشكرًا للفنانة سناء؛ لأنها رسمت وراء ألم الغياب نورًا يزيح الحجاب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights