مقالات صحفية

عاشقة الشروق

 

في كل صباح، بعد قيامي في بعض الأحيان لأداء سنة قيام الليل، أو مع أذان الفجر وأداء الصلاة، تعودت أن أتجه إلى شاطئ البحر، الذي يبعد عن مكان سكني ما يقارب خمس عشرة دقيقة بالسيارة. هدفي غالبًا هو الوصول قبل وقت الشروق وانتظار تلك اللحظات الأثيرية بشغف جمّ. صوت موج البحر يشدني تلقائيًا، فأنزل حافية القدمين باتجاه البحر، بابتسامة حانية وسلام صباحي له في قلبي لا يستشعره سواه.

أسير بمحاذاة الساحل متطلعة إلى سطوع أول شعاع للشمس، وألتقط بعض الصور وأنشرها من خلال نافذتي الصغيرة إلى العالم الافتراضي، حيث يتابعها، بل وينتظرها، بعض المحبين لمحتواي الحقيقي المليء بصباحيات مشرقة يحفها الأمل والتفاؤل والرضا. يقولون لي: «وجهك فيه من القبول ما يجعلنا نبتسم عندما نراك تبتسمين»، وأذكر تعليقًا لإحدى الصديقات قالت فيه: «استمري بهذا التألق، فنحن بحاجة إلى حياة تحفزنا إيجابيًا، صباحي بك يكتمل»، وغيرها الكثير من التعليقات التشجيعية.

ومن بين أولئك المتابعين، قال لي أحد الأصدقاء الرقميين على وسيلة التواصل الاجتماعي «سناب شات»: «دائمًا يلفتني فيك هذا النشاط والحضور والحيوية، ولذلك عندي فضول أن أسألك سؤالًا قد يكون أعمق من مجرد فضول عابر: في هذه المرحلة من العمر، هل ما زال لديك طموح شخصي وأهداف لم تصلي إليها بعد؟ أم أنك وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها الحياة عندك تُعاش يومًا بيوم؟ وهل هذا النشاط والحضور الذي فيك هو طبيعتك بالفعل، أم أنه نوع من استعادة أشياء تشعرين أن السنوات أخذتها منك، أو أنك لم تعيشيها كما كنتِ تتمنين؟»

نعم يا صديقي، فمنذ كنا صغارًا تربينا على فهم الأهداف وتحقيقها، حتى وإن كنا لم ندرك قيمتها آنذاك. فاستيقاظنا مبكرًا كل صباح، والاستعداد للمدرسة والذهاب إليها ونيل العلم والمعرفة، ذلك هدف. وما نقوم به من مهام في حياتنا اليومية، سواء أكانت للعناية بالصحة والغذاء، أو ممارسة التمارين الرياضية، أو تنمية الهوايات الشخصية، وحتى تنظيم غرفة نومك وترتيب منزلك، فتلك أهداف وواقع نمارسه كل يوم.

لذا فإن الإنسان عندما يستيقظ كل صباح ويحمد الله أن وهبه فرصة جديدة في الحياة، شاكرًا إياه أنه لا يزال على قيد الحياة، لا بد أن يكون ممتنًا لهذا المنح والعطاء الجزيل منه سبحانه وتعالى. فالحياة تُعاش بمراحلها، تدرجًا من الطفولة والمراهقة والشباب، ثم فترة منتصف العمر، وتليها الشيخوخة. وإن كتب لي العمر المديد، فإنني لا زلت وسوف أعيش الحياة يومًا بيوم، محسنة الظن بالله بأن كل يوم سيجلب الخير، حتى وإن مر علينا من نوائب الدهر ما حسبناه شرًا؛ فإن الخير يولد من قلب المحن، وهو آتٍ لا محالة.

أردف صديقي الرقمي بتساؤلاته الأخرى قائلًا: «هل تنظرين إلى المستقبل باعتباره مساحة لأحلامك، أم أن مستقبل أبنائك هو الامتداد الحقيقي لطموحاتك؟ وهل هناك أشياء كنتِ تظنين أنك ستفعلينها في عمر أصغر، ثم اكتشفتِ أن العمر لا يلغيها، وإنما يغير توقيتها فقط؟ لو أُعطيتِ فرصة أن تعودي عشرين سنة إلى الوراء وأنتِ تحملين وعيك الحالي، فما الشيء الذي كنتِ ستفعلينه بشكل مختلف؟»

أما عن المستقبل، فأرى أن أحلامي الشخصية ومستقبل أبنائي وجهان لعملة واحدة؛ فطموحي لنفسي لا يقل عن طموحي لهم، وسعادتي بما يحققونه لا تُغني عن سعيي لتحقيق ما تبقى من أحلامي الخاصة.

ولو أُعطيت الفرصة للعودة إلى الوراء ثلاثين عامًا، بعد اجتيازي الثانوية العامة ونيل شهادتها بتقدير امتياز، نعم، كنت سأختار طلب الحصول على بعثة خارجية والدراسة في إحدى الجامعات في دولة أجنبية، وإن سنح لي الاختيار فستكون بريطانيا.

أما عن الأمور التي قد أفعلها لو كنت في عمر أصغر، فإنني أشعر الآن بأنني أصبحت قادرة على القيام بأمور لم أستطع الالتزام بها في بداية عقد العشرين من عمري. فقد تزوجت فور تخرجي من الجامعة، والتحقت بسلك التدريس، وعملت معلمة للغة الإنجليزية في المدارس الحكومية، وكانت تلك المسؤوليات المبكرة تحول أحيانًا دون الالتزام بكل ما كنت أطمح إليه.

غالبًا ما يكون حلم الحصول على شهادة جامعية ونيل وظيفة ثابتة تؤمّن حياة كريمة من أولويات الإنسان، إلى جانب رغبته في الاستقرار بالزواج وتكوين أسرة سعيدة. ولكن هل بالفعل تلك طموحات إن حققناها نلنا السعادة؟ لكل منا قصة قد تُروى بعض فصولها، أما بقية مواسمها فتظل خالدة في جعبة الذكريات.

أبنائي هم ثمرة أمومتي وصبري وعطائي لهم منذ نعومة أظفارهم وحتى بلوغهم سن الرشد. يبدأ دور الأب والأم منذ الطفولة، فيزرعان القيم ويوجهان الأبناء حتى يبلغوا سن الرشد، ثم تتولى الحياة تربيتهم بالتجارب والاختيارات. وقد تعلموا على أيدينا، أنا ووالدهم رحمه الله، أساسيات الحياة، واكتسبوا من الأخلاق والمبادئ ما سيعينهم على الاندماج في المجتمع، سواء في محيط الدراسة أو بيئة العمل.

فالحياة ساحة كبيرة للحرب أو للسلام؛ نخوض فيها أحيانًا صراعات مع الآخرين، وأحيانًا أخرى مع أنفسنا، حتى نصل إلى السلام. ولا بد لنا من مواجهة الظروف والبشر والمشكلات لفهم الحياة بأبعادها المرئية وغير المرئية. ففي مختلف مناحي التعاملات الإنسانية والنفسية والمجتمعية، نواجه مواقف تختبر أخلاقنا وصبرنا وطريقة تعاملنا؛ حتى وأنت تقود مركبتك في شارع مزدحم، كيف ستتصرف؟ وأنت تنتظر دورك في البنك أو المستشفى، ما مدى صبرك وتحملك؟ وكيف تتعامل مع الناس باختلاف أعمارهم ومستوياتهم الوظيفية والعلمية والثقافية؟

أنهي مقالي بجملتك يا صديقي الرقمي عندما قلت: «أشعر أن الإنسان كلما تقدم في العمر لا يصبح أقل طموحًا، وإنما أكثر وعيًا بما يستحق أن يطمح إليه».

نعم، أتفق معك يا صديقي. وإن قلت لك إنني عندما وصلت إلى سن الخمسين شعرت بأنني بدأت أعيش، ولأول مرة، لنفسي، فصدقني؛ لأنك محق عندما ذكرت بأن العمر لا يلغي الطموحات، وإنما يغير توقيتها فقط.

وأنا لا أزال في بداية الطريق نحو تحقيق أحلامي وآمالي، وسأسعى إليها في التوقيت الذي كُتب لي. ولعل بلوغي الخمسين لم يكن إلا شروق مرحلة جديدة من حياتي، أستقبلها بشغف وأمل، ويملؤني يقين بأن القادم يحمل لي الكثير ما دمت أسعى، متوكلة على الله ومحسنة الظن به، ومؤمنة بأن لكل حلم توقيته الذي يأتي فيه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights