تحديات الاعتماد على العمالة الوافدة في التنمية الإدارية بسلطنة عُمان خلال فترة السبعينات من القرن الماضي، الجزء (٢)

سعيد بن خميس الهنداسي
كانت تجربتي الأولى عندما قررت الالتحاق بمدرسة عسكرية تابعه لسلاح الجو السلطاني العُماني في بداية الثمانينات، بعد حصولي على شهادة الصف الأول الإعدادي، تقدمت للالتحاق بمدرسة سلاح الجو السلطاني العُماني، التي كانت تُدار في ذلك الوقت من قبل ضباط بريطانيين أكفاء.
وأشهد لهؤلاء الضباط بأنهم كانوا نموذجًا في القيادة والمعرفة، وقمة في الانضباط والسلوك الحسن وحسن التعامل مع المواطن العُماني. ويُحسب لهم تأسيس مثل هذا المنبر العلمي وإدارته بصورة أسهمت في إعداد الكوادر العسكرية المناسبة.
وبفضل الله، اجتزت الاختبار التحريري بتفوق، وكذلك المقابلة الشخصية. وخلال المقابلة، أُبلغت بأنني سأدرس في عُمان بصفتي طالبًا عسكريًا بهذه المدرسة لفترة محددة، وعلى ضوء النتائج التي سأحققها سيتم إلحاقي بالدراسة في إحدى الكليات البريطانية خارج السلطنة، وأن تلك النتائج هي التي ستحدد وضعي الدراسي والعسكري لاحقًا.
وكان هذا الموقف جديرًا بأن يُذكر لهؤلاء الضباط، لما كانوا يحملونه من إيمان بأهمية نقل المعرفة، وإعداد كوادر قيادية عُمانية ذات كفاءة. فقد شعرت آنذاك أن المؤسسة لا تبحث فقط عن جندي، وإنما تسعى إلى صناعة إنسان قادر على التعلم وتحمل المسؤولية.
لكن ما حدث لاحقًا كشف لي وجهًا آخر من وجوه الإدارة، وأظهر لي أن نجاح المؤسسة في بناء الإنسان لا يتوقف على الأنظمة والخطط وحدها، وإنما يعتمد كذلك على الأشخاص الذين يتولون تنفيذها.
بعد ذلك، تم تحويلي إلى الفحوصات الطبية في العيادة العسكرية بالمرتفعة، وهناك كانت الصدمة، فقد واجهت تعاملًا سلبيًا من الرائد الهندي المسؤول عن العيادة، الذي لم يقدم التسهيلات الممكنة لطالب عُماني كان يمكن أن يكون له دور فاعل في خدمة وطنه وتنميته.
كان حازمًا في موقفه، رغم أن الأمر يتعلق بفرصة دراسية يمكن أن تغيّر مسار حياتي ومستقبلي، خصوصًا أن وضعي الاجتماعي في ذلك الوقت صعبًا جدًا. فقد كنت أعيش من دون معيل، وظروفي المعيشية قاسية، وانا في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه الفرصة.
وكان بالإمكان، من وجهة نظري، منحي فرصة للعلاج، خصوصًا أنني لم أكن قد عُيّنت في وظيفة محددة، وإنما كانت الفرصة في الأساس للدراسة، وبعد ذلك يمكن التعامل مع وضعي وفقًا للنتائج والمعطيات اللاحقة.
بدوري، راجعت الضابط القائد الإداري في مكتب سلاح الجو بالمرتفعة. وهو ضابط بريطاني أذكر أنه كان طويل القامة، حسن الأخلاق، محترمًا في تعامله، وأتوقع أن اسمه «بنت».
استقبلني خارج باب مكتبه، ثم أدخلني معه ورحّب بي، وأكرمني بحسن الضيافة. وبعد ذلك اتصل بالرائد الهندي المسؤول عن العيادة، محاولًا إيجاد حل أو مخرج للموقف، إلا أن الضابط الهندي أصر على رأيه، عندها قال لي القائد الإداري: «هل تستطيع أن تتعالج؟ وإذا انتهيت من العلاج، راجعنا، ونحن سنحتفظ بحقك معنا».
فأخبرته عن وضعي الاجتماعي وظروفي الصعبة، وهنا قال لي كلامًا ما زال عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم: «سنوفر لك السكن والطعام والنقل لمراجعة المستشفى، وسنوفر لك راتبًا شهريًا رمزيًا إلى أن تنتهي من البرنامج العلاجي»، عندها تجدد الحلم، وانبعث الأمل من جديد.
بدأت رحلة العلاج في مستشفى النهضة، وتقرر أن أخضع لعملية في الحنجرة كانت تُعد عملية خطيرة في ذلك الوقت، بينما كانت بقية الفحوصات في حدود الأوضاع الطبية المقبولة، وبعد قرابة أربعة أشهر قضيتها متنقلًا بين المستشفى في روي، وقاعدة سلاح الجو في غلا، وولاية الخابورة آنذاك، عدت بتقرير طبي مفصل إلى المكتب الإداري بالمرتفعة، استبشر القائد الإداري خيرًا، وقال لي: «إن الوضع أصبح أفضل وفقًا للتقارير الطبية، إلا أنه سيُحال التقرير إلى مسؤول العيادة الطبية لاعتماده».
لكن الصدمة عادت من جديد، فقد أصر الضابط الهندي على موقفه السابق، وقال لي: «بالنسبة لي، أنت لا تصلح للعسكرية»، عندها عدت إلى القائد الإداري، وحاول الاتصال بالعيادة وتمرير الموضوع، إلا أن مسؤول العيادة أصر على قراره، في هذه الاثناء قال لي ذلك القائد كلمات ترفع من معنوياتي، ولا أزال أحتفظ بها في ذاكرتي حتى اليوم: «لقد خسرنا شخصًا نحن بحاجة إلى أمثاله، ويشرفنا وجوده معنا، ولكن هذه حدود لا يمكننا تجاوزها».
ثم سلّمني سندًا ماليًا بالمبلغ الذي وعدني به قائلًا: «بإمكانك صرفه من الشؤون المالية»، وأضاف: «تأكد أن مستقبلك سيكون أفضل في جهة ما، وأنا أكرر اعتذاري لك»، ثم أخذني إلى باب مكتبه، وودعني بنفس الطيبة والكلام العذب والروح التي تبعث الأمل في النفوس، وهي صفات قلّما يقابل الإنسان مثلها.
وهنا انتهت مرحلة من حياتي، وانتهت معها فرصة كنت أرى فيها بداية مختلفة لمستقبلي، لكنني خرجت من تلك التجربة بدرس مهم لا يزال حاضرًا في ذاكرتي: أن بعض المؤسسات قد تضع أمام الإنسان أبوابًا، وقد يغلق بعضها موظف، بينما قد يفتح موظف آخر بابًا من الأمل والفرص بحسن تعامله وإنسانيته.
ولعل الدرس الأهم الذي تعلمته أيضا من تلك التجربة هو أن التنمية الإدارية لا تُقاس فقط بعدد المؤسسات التي تُنشأ، أو بعدد الموظفين الذين يتم تعيينهم، وإنما تُقاس كذلك بقدرة تلك المؤسسات على اكتشاف الإنسان، وتمكينه، ونقل المعرفة إليه، وفتح الطريق أمامه ليصبح شريكًا حقيقيًا في بناء وطنه.



