من بداية العام الدراسي حتى نهايته _ولي الأمر شريك في بناء نفس الابن وشخصيته وصناعة نجاحه_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
مع بداية كل عام دراسي، تمتلئ البيوت بمشاعر متباينة؛ فرحة بعودة الأبناء إلى مقاعد الدراسة، وأمل في عام أكثر نجاحًا، وطموح في نتائج أفضل، وربما شيء من القلق لدى بعض الأسر بشأن مستوى أبنائها وقدرتهم على مواصلة الطريق. وبينما تنشغل الأسرة بتوفير المستلزمات المدرسية وترتيب الجداول والاستعداد للعام الجديد، يبقى جانب آخر أكثر أهمية، وهو تهيئة الابن نفسيًا وتربويًا لهذه الرحلة التي تمتد عامًا كاملًا، بما تحمله من تعلم وتجارب ونجاحات وتعثرات.
فالعام الدراسي لا يبدأ في المدرسة وحدها، وإنما يبدأ أيضًا من البيت؛ من الكلمة التي يسمعها الابن، والنظرة التي يشعر بها، وطريقة الأسرة في الحديث عن المدرسة والمعلم والاختبارات والنجاح. ومن هنا فإن دور ولي الأمر لا ينبغي أن يقتصر على متابعة الواجبات والدرجات، بل يتجاوز ذلك إلى فهم الابن ومساعدته على بناء شخصية متوازنة قادرة على التعلم وتحمل المسؤولية.
ولأن الأبناء يختلفون في مراحل نموهم واحتياجاتهم النفسية والتربوية وقدراتهم وميولهم، فإن التعامل معهم يحتاج إلى قدر من الوعي بهذه الفروق. فما يناسب طفلًا في مرحلة عمرية معينة قد لا يناسب أخاه الأكبر، وما ينجح مع ابن قد لا ينجح بالضرورة مع آخر. وقد يكون أحد الأبناء سريع الاستجابة والتفاعل، بينما يحتاج آخر إلى وقت أطول حتى يكتسب ثقته بنفسه ويظهر قدراته.
ومن هنا، فإن التربية العادلة لا تعني أن يحصل جميع الأبناء على المعاملة نفسها في كل موقف، وإنما أن يفهم ولي الأمر احتياجات كل واحد منهم، وأن يمنحه ما يساعده على النمو والتقدم.
وتأتي المقارنة بين الأبناء في مقدمة الأمور التي تحتاج إلى مراجعة. فقد يعتقد بعض الآباء أن قولهم لابنهم: «انظر إلى أخيك، لقد حصل على درجة أعلى منك»، أو «زميلك أفضل منك»، سيدفعه إلى بذل مزيد من الجهد. لكن المقارنة المستمرة قد تحمل أثرًا نفسيًا معاكسًا؛ إذ قد تجعل الابن يشعر بأنه أقل من غيره، وتضعف ثقته بنفسه، وتحوّل الدراسة من رحلة للتعلم والنمو إلى سباق دائم لإثبات الذات.
والأجدى أن تكون المقارنة بين الابن ونفسه؛ ماذا كان بالأمس؟ وماذا أصبح اليوم؟ وما الخطوة التي يستطيع أن يحققها غدًا؟ فالطالب الذي ارتفع مستواه من ستين إلى سبعين قد يكون قد حقق تقدمًا يستحق التقدير، حتى وإن كان زميله قد حصل على تسعين. لأن التربية التي تحتفي بالتقدم تبني الدافعية، بينما التربية التي لا ترى إلا الرقم قد تفقد الإنسان الذي يقف خلفه.
ومع مرور الأسابيع، يبدأ ولي الأمر في اكتشاف أن بعض الصعوبات الدراسية ليست دراسية في أصلها. فقد يظهر القلق في صورة عصبية، وقد يظهر الخوف من الفشل في صورة تسويف، وقد يظهر فقدان الثقة في صورة عزوف عن المشاركة، وقد يكون تراجع المستوى نتيجة فجوة تعليمية تراكمت ولم تجد من يكتشفها في الوقت المناسب.
ولهذا فإن فهم ما وراء السلوك قد يكون أهم من الحكم على السلوك نفسه.
فبدل أن يكون السؤال: «لماذا لم تدرس؟»، يمكن أن يبدأ الحديث بسؤال أكثر قربًا: «ما الذي جعل الدراسة صعبة عليك اليوم؟». وبدل أن يتحول التأخر أو التقصير إلى مواجهة، يمكن أن يصبح مناسبة لمعرفة السبب والبحث عن الحل.
وهذا لا يعني أن الابن لا يتحمل مسؤولية أفعاله، بل يعني أن مساعدته على تحمل المسؤولية تحتاج إلى فهم، لا إلى غضب دائم.
فالابن يحتاج إلى حدود واضحة وقواعد ثابتة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يشعر بأن الخطأ لا يجعله مرفوضًا. يمكن للأسرة أن ترفض السلوك الخاطئ دون أن ترفض صاحب السلوك، وأن تحاسب على التقصير دون أن تهدم ثقة الابن بنفسه.
والفرق كبير بين أن يسمع الابن: «أنت فاشل»، وبين أن يسمع: «ما فعلته لم يكن صحيحًا، لكنك تستطيع أن تصلحه». في العبارة الأولى يصبح الخطأ جزءًا من صورته عن نفسه، وفي الثانية يصبح الخطأ موقفًا يمكن التعلم منه وتجاوزه.
ومع تقدم العام الدراسي، تتغير حاجات الأبناء وتتطور مسؤولياتهم. ولذلك فإن المتابعة الأسرية الناجحة لا تعني أن يقوم ولي الأمر بكل شيء بدلًا عن ابنه، وإنما أن يساعده تدريجيًا على القيام بما يستطيع القيام به بنفسه.
فمن المهم أن يتعلم الابن كيف ينظم وقته، وكيف يرتب أولوياته، وكيف يراجع دروسه، وكيف يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها، وكيف يتعامل مع التقصير ويصححه. أما إذا اعتادت الأسرة أن تذكره بكل واجب، وتراقب كل دقيقة، وتحل كل مشكلة، فقد ينجح الابن في وجود الرقابة، لكنه قد يجد صعوبة عندما يصبح مطالبًا بإدارة نفسه.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من المساندة إلى التمكين؛ فالهدف من التربية ليس أن يبقى الأبناء محتاجين إلى من يقودهم في كل خطوة، وإنما أن يصلوا تدريجيًا إلى القدرة على قيادة أنفسهم.
وفي هذه الرحلة لا يمكن فصل البيت عن المدرسة. فالتواصل بين ولي الأمر والمعلم ينبغي ألا يبدأ فقط عندما تظهر مشكلة، ولا أن يكون قائمًا على تبادل اللوم. لكل طرف صورة عن الطالب قد لا يراها الطرف الآخر كاملة؛ فالأسرة تعرفه في البيت، والمعلم يعرفه في المدرسة، ومن تكامل الصورتين يمكن أن تتضح احتياجاته بصورة أفضل.
ولهذا فإن العلاقة بين ولي الأمر والمعلم ينبغي أن تقوم على الشراكة والاحترام. فإذا ظهر ضعف في مادة، أو تغير في السلوك، أو تراجع في الدافعية، فإن السؤال الأهم ليس: «من المسؤول؟»، وإنما: «كيف نستطيع معًا أن نساعد الطالب؟»
ومع اقتراب الاختبارات، يحتاج الأبناء إلى أسرة تمنحهم الطمأنينة والتنظيم أكثر من حاجتهم إلى مزيد من الضغط. فالاختبار مهم، والطالب مطالب بالاستعداد له، لكن تحويله إلى مقياس لقيمة الإنسان قد يجعل القلق أكبر من قدرة الطالب على التعامل معه.
ومن المهم أن يعرف الابن أن أسرته تريد منه أن يجتهد ويقدم أفضل ما يستطيع، لكنها لن تجعل محبتها ورضاها معلقين بدرجة يحصل عليها.
فالطالب الذي يدخل الاختبار وهو يشعر أن النتيجة ستحدد قيمته أمام أسرته، يحمل عبئًا نفسيًا قد يؤثر في أدائه. أما الذي يشعر أن أسرته تنتظر منه الاجتهاد، وتقف إلى جانبه في النتيجة، فإنه يكون أكثر قدرة على التعامل مع الموقف بهدوء.
وعندما تأتي النتائج، سواء كانت كما نتمنى أو جاءت أقل من التوقعات، تبدأ مرحلة تربوية جديدة.
فالنجاح لا ينبغي أن يتحول إلى غرور، والتعثر لا ينبغي أن يتحول إلى إحباط. والنتيجة ليست سوى مؤشر على مستوى الأداء في مرحلة معينة، وليست حكمًا نهائيًا على قدرات الابن ومستقبله.
إذا كانت النتيجة جيدة، فمن المفيد أن تبحث الأسرة مع ابنها عن أسباب النجاح حتى يحافظ عليها. وإذا كانت أقل من المتوقع، فالأفضل أن تتحول النتيجة إلى سؤال: أين كانت الصعوبة؟ وما الذي يمكن تغييره في العام القادم؟
فالطالب الذي يتعلم من نتيجته يكون قد حقق مكسبًا أكبر من مجرد الرقم الذي حصل عليه.
وعندما يصل العام الدراسي إلى نهايته، لا ينبغي أن يكون السؤال الأخير في البيت: «كم حصلت؟» فقط، وإنما يمكن أن يكون: «ماذا تعلمت هذا العام؟»
ماذا عرفت عن نفسك؟ ما العادة التي اكتسبتها؟ ما الصعوبة التي تجاوزتها؟ ما الخطأ الذي تعلمت منه؟ ما الشيء الذي أصبحت أفضل فيه؟ وما الذي تريد أن تطوره في العام المقبل؟
عندها يتحول العام الدراسي من فترة تبدأ بالكتب وتنتهي بالنتائج إلى رحلة متكاملة للنمو وبناء الشخصية.
أيها الآباء والأمهات…
أبناؤكم لا يحتاجون إلى أن تكونوا خبراء في كل مادة، ولا إلى أن تعرفوا إجابة كل سؤال، ولا إلى أن تراقبوا كل خطوة. إنهم يحتاجون إلى أن يجدوا في بيوتهم من يفهمهم، ويستمع إليهم، ويضع لهم الحدود، ويشجع محاولاتهم، ويؤمن بقدرتهم على التطور.
يحتاجون إلى من يفرح بنجاحهم دون أن يجعل النجاح شرطًا للحب، ويقف إلى جانبهم عند التعثر دون أن يسلبهم مسؤولية النهوض.
وقد تكون أعظم مساعدة يقدمها ولي الأمر لابنه أن يعلمه أن النجاح ليس أن يكون أفضل من الآخرين، وإنما أن يكتشف قدراته، ويستثمرها، ويواصل التقدم، ويعرف كيف ينهض عندما يتعثر.
فالتربية ليست مشروعًا يبدأ في سبتمبر وينتهي مع إعلان النتائج. إنها رحلة مستمرة، لكن العام الدراسي يمنح الأسرة فرصة متجددة لمراجعة أساليبها، وفهم أبنائها، وتعزيز استقلاليتهم، والتعاون مع المدرسة من أجل مساعدتهم على النمو.
ومن بداية العام حتى نهايته، يمكن أن تختصر رسالة ولي الأمر في ثلاث كلمات:
افهم ابنك، وسانده، ومكّنه.
افهم مرحلته واحتياجاته ومشاعره وفروقه الفردية.
سانده عندما يحتاج إلى الدعم، ولا تفعل عنه ما يستطيع أن يتعلمه بنفسه.
ومكّنه تدريجيًا من تحمل مسؤولية تعلمه وقراراته وحياته.
فليس الهدف أن نربي أبناءً ينجحون في الاختبارات فقط، وإنما أن نساعدهم على أن يصبحوا أصح نفسًا، وأكثر توازنًا، وأقدر على التعلم، وأوعى بمسؤولياتهم، وأكثر ثقة بقدرتهم على مواجهة الحياة.
وعندما تتكامل جهود البيت والمدرسة، يصبح التفوق نتيجة طبيعية لمسار أعمق؛ مسار يبدأ ببناء النفس والشخصية، ويمر بالتعلم، وينتهي بإنسان قادر على أن يصنع مستقبله.
فأجمل ما يمكن أن يخرج به الابن من عام دراسي ليس شهادة تحمل درجة فقط، وإنما نفس أكثر ثقة، وشخصية أكثر نضجًا، وقدرة أكبر على مواصلة الطريق.
عام دراسي مبارك لأبنائنا، ولأسرهم، ولمعلميهم، وكل عام ونحن شركاء في بناء جيل يعرف قدراته، ويحترم ذاته والآخرين، ويتعلم من تجاربه، ويؤمن بأن لكل بداية فرصة جديدة.



