عندما تُسرق البوصلة: ( وجّه إصبعك إلى القضية )
محمد بن علي بن سالم الشعيلي
لسنا بحاجة إلى مزيد من الضجيج… نحن بحاجة إلى أن نعرف أين نضع إصبعنا.
في عُمان، كما في غيرها من المجتمعات، تتعدد القضايا وتختلف الأولويات، لكن الخطر يبدأ عندما نترك القضايا التي تمس مستقبل الإنسان والوطن، ونتجه بكل غضبنا ووقتنا إلى تفاصيل صغيرة لا تغيّر واقعاً ولا تصنع مستقبلاً.
نناقش اللحية، والبيذام، ومكبرات الصوت، ومظهر شخص، وتصريحاً عابراً، ونحوّل حادثة هامشية إلى قضية رأي عام، بينما تمر قضايا التعليم، وفرص العمل، والاقتصاد، وجودة الخدمات، وتمكين الشباب، ومستقبل الأجيال بصمت.
المشكلة ليست أننا نتحدث… المشكلة: عمّا نتحدث؟
وجّه إصبعك إلى القضية
لا إلى الشخص.
لا إلى مظهره.
لا إلى زلته العابرة.
لا إلى مقطع صُنع ليشعل الغضب.
وجّه إصبعك إلى الخلل الحقيقي، واسأل: أين المشكلة؟ من المسؤول؟ ما الحل؟ وماذا يمكن أن نفعل؟
نحن لا نحتاج مجتمعاً غاضباً طوال الوقت، ولا مجتمعاً صامتاً.
نحتاج مجتمعاً يعرف متى يغضب، ولماذا يغضب، وأين يضع غضبه.
إذا كان هناك خلل في التعليم، فليكن حديثنا عن التعليم.
إذا كانت هناك تحديات في سوق العمل، فلنسأل عن مستقبل الشباب.
إذا كانت هناك مشكلة اقتصادية، فلنناقش أسبابها وحلولها.
إذا كانت هناك خدمة لا تصل إلى المواطن بالمستوى المطلوب، فلنضع إصبعنا على الخلل، لا على الموظف الذي ظهر في الواجهة.
وإذا رأينا إنجازاً، فلنحتفِ بالإنجاز لا بالشخص.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الظهور، ولا بعدد المتابعين، ولا بضجيج المنصات.
الأوطان تُبنى بالعمل، والإنجاز، والمساءلة، والوعي.
لقد أصبحت بعض المنصات الرقمية قادرة على تحديد ما نراه، وما نناقشه، وما نغضب منه. وما يثير الاستغراب أن قضية قد لا تستحق أكثر من دقائق، تتحول بين عشية وضحاها إلى حديث المجالس والمنصات، بينما قضية تمس آلاف المواطنين لا تجد من يمنحها دقيقة واحدة من الاهتمام.
وهنا علينا أن نتوقف.
هل نحن من يختار قضايانا، أم أن الخوارزميات تختارها لنا؟
ليس كل ترند قضية.
وليس كل مشهور قدوة.
وليس كل جدل يستحق أن ندخل فيه.
وليس كل ما يحصد آلاف الإعجابات يستحق الإعجاب.
أحياناً يكون أكثر ما يملأ المنصات ضجيجاً هو أقل ما يضيف إلى الوطن.
وأحياناً يكون الصوت الهادئ، الذي لا يملك آلاف المتابعين، أكثر صدقاً وأثراً من حساب يملك الملايين.
لذلك، قبل أن تضغط «نشر»، وقبل أن تكتب تعليقاً، وقبل أن تدخل معركة إلكترونية جديدة، اسأل نفسك:
هل أنا أضيف شيئاً؟
هل أطرح حلاً؟
هل أدافع عن حق؟
هل أصحح خطأ؟
هل أرفع وعياً؟
هل أخدم بلدي ومجتمعي؟
أم أنني فقط أضيف صوتاً جديداً إلى سوق الضجيج؟
نحن في عُمان لا ينقصنا الوعي، ولا تنقصنا العقول، ولا تنقصنا الكفاءات.
لكننا بحاجة إلى أن نمنح القضايا الحقيقية حجمها الحقي.
أن نتجاوز صناعة الجدل إلى صناعة الحل.
أن نحاسب على الإنجاز لا على الصورة.
أن نرفع من قيمة العمل لا من قيمة الشهرة.
أن نختلف باحترام، وننتقد بمسؤولية، ونطالب بحقوقنا دون تشهير أو إساءة.
فالحرية مسؤولية، والنقد مسؤولية، والكلمة مسؤولية.
*وجّه إصبعك إلى القضية… لا إلى الإنسان.*
هذه هي البوصلة التي نحتاج إلى استعادتها.
فلا تجعلوا قضية هامشية تسرق منكم قضية وطنية.
ولا تجعلوا شخصاً يسرق منكم موضوعاً.
ولا تجعلوا ترنداً عابراً يسرق منكم مستقبلاً.
وجّه إصبعك إلى القضية.
إلى التعليم.
إلى الاقتصاد.
إلى فرص الشباب.
إلى جودة الخدمات.
إلى التنمية.
إلى الإنجاز.
إلى كل ما يمس حياة المواطن ومستقبل الوطن.
فالوطن لا يحتاج مزيداً من الأصوات التي تقول: «انظروا إلى هذا!»
بل يحتاج إلى أصوات تقول:
«انظروا إلى أصل المشكلة… وهنا يجب أن نبدأ.»
وفي النهاية، لا تسأل فقط:
ما الذي يتحدث عنه الناس اليوم؟
بل اسأل السؤال الأهم:
ما الذي يجب أن نتحدث عنه؟
فحين نعرف أين نضع إصبعنا، نكون قد بدأنا نستعيد بوصلة الوعي.
عُمان تستحق أن نرفع مستوى النقاش فيها… لا أن نرفع مستوى الضجيج.



