اكسبوا قلوب الطلاب يسهل عليكم الفهم والإفهام _في أول يوم دراسي يبدأ بناء العلاقة قبل بناء المعرفة_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
مع بداية عام دراسي جديد، تتجدد الآمال والطموحات، وتفتح المدارس أبوابها لاستقبال الطلاب والمعلمين، وتبدأ رحلة جديدة من التعلم والعمل وبناء المستقبل. وفي هذه المناسبة، يستحق المعلمون كلمة تقدير صادقة على ما يبذلونه من جهود، وما يحملونه من مسؤولية عظيمة تتجاوز حدود الحصة والكتاب والاختبار.
فالمعلم لا يقف أمام طلابه كل يوم ليقدم لهم معلومة فحسب، وإنما يقف أمام عقول تتشكل، ونفوس تتكون، وشخصيات تبحث عن من يفهمها، وطموحات قد تحتاج إلى كلمة تشجيع حتى ترى طريقها إلى النور.
ومن هنا، فإن أول يوم دراسي لا ينبغي أن يكون مجرد بداية لتدريس المنهج، وإنما بداية لبناء علاقة تربوية بين المعلم وطلابه. فقبل أن يصل الدرس إلى عقل الطالب، ينبغي أن تصل إليه رسالة أخرى أكثر أهمية: «أنا معلمك، أحترمك، وأؤمن بقدرتك على التعلم والتقدم».
فالابتسامة الصادقة، وحسن الاستقبال، والاستماع إلى الطالب، ومعرفة اسمه، وإشعاره بالأمان داخل الصف، كلها أمور قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في البيئة التعليمية.
والطالب الذي يشعر أن معلمه يحترمه ويؤمن بقدرته، يكون أكثر استعدادًا للسؤال والمشاركة والمحاولة. أما الطالب الذي يخشى الخطأ أو السخرية أو المقارنة، فقد يختار الصمت، حتى وإن كان في داخله سؤال يحتاج إلى إجابة.
وهنا تظهر أهمية أن يفهم المعلم طلابه قبل أن يحكم عليهم. فقد يكون وراء هدوء أحدهم خجل، ووراء كثرة حركة آخر طاقة تحتاج إلى توجيه، ووراء ضعف المشاركة خوف من الخطأ، ووراء تراجع المستوى فجوة تعليمية تحتاج إلى معالجة.
إن فهم السلوك لا يعني تبريره، وإنما يعني البحث عن الطريقة التربوية الأنسب للتعامل معه.
وفي العملية التعليمية، لا يكفي أن يعرف المعلم مادته معرفة واسعة؛ فهناك فرق بين أن يفهم المعلم ما يريد تدريسه، وأن يستطيع إفهام المتعلم ما فهمه هو.
وقد تكون الفكرة واضحة في ذهن المعلم، لكنها تحتاج إلى أكثر من طريق حتى تصل إلى الطالب. فطالب قد يفهم من الشرح، وآخر من المثال، وثالث من التطبيق، ورابع يحتاج إلى أن يجرب بنفسه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق المعلم ليس: «هل شرحت؟»، وإنما: «هل فهم طلابي؟»
ثم يأتي السؤال الأهم: «ماذا أصبحوا قادرين على فعله بعد أن تعلموا؟»
فالمنهج، مهما كان متقنًا، يظل في صورته المكتوبة مادة جامدة، والمعلم هو الذي يمنحه الحياة. هو الذي يحول المعلومة إلى معنى، والدرس إلى تجربة، والسؤال إلى تفكير، والمعرفة إلى مهارة.
ومن هنا، فإن إنهاء صفحات المنهج لا ينبغي أن يكون الغاية الوحيدة. فالغاية الأعمق هي أن يصل المنهج إلى عقل المتعلم وحياته، وأن يسهم في بناء شخصيته وقدرته على التفكير والتعلم والتعامل مع الحياة.
كما أن كسب الطالب لا يعني أن يتخلى المعلم عن الحزم والانضباط، وإنما يعني أن يجمع بين الحزم والرحمة، والقرب والهيبة، والعدل والتفهم.
فالمعلم ليس مطالبًا بأن يكون صديقًا لطلابه بالمعنى الذي يلغي الحدود المهنية، لكنه مطالب بأن يكون قريبًا منهم بالقدر الذي يجعلهم يثقون به ويحترمونه.
ولا ينبغي أن يكون الخطأ سببًا لإحراج الطالب أمام زملائه؛ فالصف الذي يخاف فيه الطالب من الخطأ قد يكون صامتًا، لكنه ليس بالضرورة صفًا متعلمًا. أما عندما يصبح الخطأ فرصة للتصحيح والتعلم، فإن الطالب يكتسب شجاعة المحاولة.
بل إن اعتراف المعلم بخطئه يمكن أن يكون درسًا تربويًا بالغ الأثر. فعندما يقول المعلم: «أخطأت، وسأصحح ذلك»، فإنه يعلم طلابه أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وأن الإنسان يستطيع أن يتعلم من نفسه ومن الآخرين.
ومع اختلاف الطلاب في قدراتهم وطرائق تعلمهم، تصبح مهمة المعلم أكثر من مجرد تقديم محتوى واحد بطريقة واحدة. فالفروق الفردية حقيقة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار، لا مشكلة نلقي مسؤوليتها على المتعلم.
وقد لا يحتاج المعلم إلى إعداد درس مختلف لكل طالب، لكنه يحتاج إلى أن يفتح أكثر من باب للفهم، وأن يمنح كل متعلم فرصة حقيقية للتقدم من موقعه.
إن العلاقة الإيجابية بين المعلم وطلابه ليست أمرًا هامشيًا في العملية التعليمية، وليست مجرد جانب إنساني منفصل عن التحصيل الدراسي؛ إنها جسر من جسور التعلم.
فحين يشعر الطالب بالأمان والثقة والاحترام، يصبح أكثر استعدادًا للاستماع، وأكثر جرأة على السؤال، وأكثر تقبلًا للتوجيه، وأقرب إلى الفهم.
ومن هنا يمكن القول إن كسب القلوب ليس بديلًا عن التعليم، وإنما هو أحد مداخل التعليم الناجح.
وفي أول يوم من العام الدراسي، ربما يكون من المفيد أن يسأل المعلم نفسه سؤالًا يتجاوز خطة الدرس ومحتوى المنهج:
أي إنسان أريد أن أساعد هذا الطالب على أن يصبح؟
فالتعليم أكبر من كتاب، وأوسع من اختبار، وأعمق من درجة.
إنه مشاركة في بناء الإنسان.
ولهذا فإن المعلم الذي يعرف مادته ويجيد تدريسها يؤدي واجبه، أما المعلم الذي يجمع إلى علمه القدرة على فهم طلابه، وكسب ثقتهم، وإيقاظ دافعيتهم، وبناء شخصياتهم، فإنه يترك أثرًا يتجاوز حدود الصف.
وقد ينسى الطالب بعد سنوات بعض تفاصيل الدروس، لكنه قد يتذكر معلمًا آمن بقدرته عندما كان هو نفسه يشك فيها، أو معلمًا أعطاه فرصة عندما ظن أنه لا يستطيع، أو كلمة رفعت معنوياته في وقت كان يحتاج فيها إلى من يقول له: أنت تستطيع.
وهنا تكمن عظمة رسالة المعلم.
فالمعلم يشرح في الحاضر، لكنه يبني أثرًا قد يظهر في المستقبل.
كل عام ومعلمونا بخير، وكل عام وهم يحملون رسالتهم بثقة وإخلاص، ويبنون في مدارسنا أجيالًا أكثر علمًا ووعيًا وثقة وقدرة على صناعة مستقبلها.
بارك الله جهودهم، وجعل عامهم الدراسي عامًا حافلًا بالعطاء والنجاح والأثر الطيب.



