وجهان لوجهٍ واحد .. ناقلي الكلام ومزوّري الحقائق
نعيمة بنت راشد البلوشية
كلّمتني زميلة، وكان صوتها متعبًا كمن يحمل جرحًا لا يُرى. كانت تقبع تحت نقلٍ تعسفي نُفّذ بطريقةٍ لا تشبه المهنية في شيء، طريقةٍ تترك في النفس ألمًا قبل أن تترك أثرًا في الورق. ثم فاجأتني بما لم أتوقعه: أن أحدهم أتاها هامسًا، ونقل لها أنني كنت من ضمن الذين تسببوا في نقلها.. برسالة.
وقفتُ أمام التهمة كمن يقف أمام مرآة مكسورة؛ أرى فيها صورةً ليست صورتي، وكلامًا لم يمرّ يومًا على قلبي ولا لساني.
ثم انكشفت الكذبة، كما تنكشف كل كذبة مهما طال ليلها.
فإذا بصاحب الخبر هو ذاته صاحب النميمة، هو ذاته من ينقل الكلام من مجلسٍ إلى مجلس، يزرع الشوك بين القلوب ثم يمضي ليسقيه بابتسامة. هو ذاته من يشوّه السمعة في الغياب، ثم يلقاك في الحضور بوجهٍ بشوش، وسلامٍ حارّ، وكلماتٍ معسولة، وكأن يده لم تكن قبل ساعة تحفر في ظهرك.
ظاهرة لا يخلو منها مكان..
هذا النموذج ليس حكرًا على بيئة عملٍ واحدة، ولا على زمنٍ دون زمن. إنه يتكرر في كل مكان وكل عصر: في المكاتب والمجالس، في الأحياء والعائلات، بين الأصدقاء والزملاء. في كل جماعةٍ من الناس ستجد ذلك اللسان الذي يتنقّل بين القلوب كما تتنقّل النار في الهشيم؛ يأخذ الكلمة من هنا، فيحرّفها، ويزيد عليها، ويلوّنها بلون الكذب، ثم يلقيها هناك.. ويقف بعيدًا يتفرّج على الحريق الذي أشعله.
يظن أنه ذكي، وأن خيوطه محكمة، وأن أحدًا لن يربط بين همسه في أذن هذا، ووشايته عند ذاك. لكنه ينسى قانونًا لا يتخلّف:
الذي ينقل إليك، سينقل عنك. والذي يشوّه غيرك أمامك، سيشوّهك أمام غيرك.
ومن جرّب لسانه مع الناس واحدًا واحدًا، سيأتي يوم يجلس فيه هؤلاء الناس معًا، فتتلاقى الروايات، وتتطابق الأصابع كلها على اسمٍ واحد. حينها لا ينفعه وجهٌ بشوش، ولا سلامٌ حارّ؛ فالناس أذكى مما يظن، والأغلب بات يعرفه، يصافحه بيدٍ ويحرس ظهره باليد الأخرى.
والأسوأ من ذلك كله..
الأسوأ ليس ما يفعله في زملائه، بل السؤال الذي يطارده إلى بيته:
كيف تكون ربّ أسرة؟
كيف تعود في المساء إلى أطفالٍ يرفعون إليك عيونًا بريئة تظنك قدوة، وأنت تحمل بين ضلوعك قلبًا بهذا القبح؟ بأي وجهٍ تعلّم ابنك الصدق، ولسانك أمضى نهاره في صناعة الكذب؟ بأي لسانٍ توصي ابنتك بحفظ العهد، وأنت خائن الأمانة في كل مجلس؟
إن أخطر ما في صاحب الوجهين ليس أذاه للناس، بل أنه يربّي جيلًا على مرأى من نفاقه. فالبيوت لا تتعلم من المواعظ، بل من السلوك، والقلب القبيح لا يورّث لأبنائه إلا القبح، إلا أن يرحمهم الله فينجوا منه ويكونوا عبرةً به لا امتدادًا له.
سُنّة لا تتبدل..
قال تعالى: “إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ”. سورة الحجرات ٦، وقال رسول الله ﷺ: “لا يدخل الجنة نمّام”.
هذه ليست تهديدات فارغة، بل سُننٌ ماضية: الكذب مهما تجمّل فرائحته تفضحه، والقناع مهما أُتقن صنعه فإن الأيام تُسقطه قناعًا قناعًا، دون أن يحرّك المظلوم ساكنًا. فالحقيقة كالماء؛ احبسها ما شئت، ستجد طريقها إلى النور.
وستنكشف. اليوم أو غدًا، في هذا المجلس أو ذاك، ستنكشف، وسيعرفك من لم يعرفك بعد، كما عرفك الأغلب. وحين تسقط الأقنعة، لن تجد وجهًا ثالثًا تلقى به الناس .. وإن كان لك هدف.. فاعلم أنه سينقلب عليك
وإذا كان هدفك من نقل الكلام أن تُحدث قطيعةً بين قلبين، أو أن تشوّه سمعة إنسانٍ بريء، أو أن تصل عبر الوشاية إلى مآرب ومكاسب، أو أن تنال وعودًا قُطعت لك ثمنًا لخيانتك.. فاعلم أن كل ذلك سينقلب عليك، عاجلًا أم آجلًا.
فالقطيعة التي زرعتها بين الناس ستحصدها وحدةً في آخر أيامك؛ إذ لا يبقى حول صاحب الوجهين أحد. والسمعة التي شوّهتها لغيرك ستعود سهامها إلى سمعتك أنت، لأن الناس حين يكتشفون كذبك مرة، لن يصدّقوك أبدًا، ولو صدقت. والمآرب التي وصلت إليها على جسر الوشاية جسرٌ آيل للسقوط، والمنصب أو المكسب الذي بُني على ظلمٍ لا بركة فيه ولا دوام له. والذين وعدوك مقابل لسانك، هم أول من سيتخلى عنك حين تنتهي حاجتهم إليك؛ فمن اشترى خيانتك اليوم، لن يأمنك على نفسه غدًا.
لا شيء يدوم مما بُني على الباطل. المكر السيّئ لا يحيق إلا بأهله، وهذه ليست عبارة تُقال للمواساة، بل وعدٌ إلهي: “وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ”. فما جمعتَه بالوشاية ستفرّقه الفضيحة، وما بنيتَه بالكذب ستهدمه الحقيقة، وستقف يومًا وحدك أمام حصاد لسانك.
أما نحن..
فلن ننزل إلى بئرٍ حفرها لنفسه. حسبنا أن الضمير نظيف، وأن الله يعلم ما في الصدور، وأن الأيام أصدق شاهد. وحسب كل مظلومٍ بكلمةٍ أو وشاية أن يرفع أمره إلى من لا تخفى عليه خافية، ثم يمضي في طريقه مرفوع الرأس، صاحب وجهٍ واحد.
فيا من تُصدَّق فيك الوشايات: تبيّن قبل أن تحكم.
ويا من تنقل الكلام: تذكّر أن ما تزرعه اليوم ستحصده غدًا.
ويا صاحب الوجهين: الستر الذي تعيش فيه مؤقت.. والحقيقة صبورة، لكنها لا تنسى.



