مقالات صحفية

لا تَظْلِم… تَفُزْ

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي

الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والعدول عن الحق إلى الباطل. وفي الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن الله جل جلاله: ﴿يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا﴾، رواه الإمام مسلم في صحيحه.

ولا ريب أن السبب بيّن؛ فالظلم طمسٌ للحق، وانتصارٌ للباطل، وأمرٌ لا تستقيم معه الحياة أبدًا. فالظالم يقتات على حقوق المظلوم، وكأنها إرثٌ آل إليه، أو حقٌّ مكتسب لا بد من استيفائه. وعندما تعمى القلوب، تغدو أسيرةً لهواها؛ لترى الحقيقة كما تشتهي.

والظلم لا يتخذ نمطًا واحدًا، ولا ينحصر في اغتصاب الحقوق عنوةً، أو تغيير الواقع بالقوة؛ فقد يرتدي أحيانًا عباءة الحمل الوديع؛ ليستدرج ضحيته إلى الموضع الذي اختاره بعناية لاغتيال حلم، أو سلب حق، أو مصادرة جهد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فهو طفيلي بائس يعيش على دماء الآخرين.

ومن صور الإجحاف الوظيفي التي قد لا يلتفت إليها البعض: قتل طموح موظف جديد، والاستهانة بمقترح يمكن صقله وتطويره، وتهميش أصحاب الكفاءة والخبرة، ورفض التطوير بحجة الاكتفاء، وسرقة الأفكار ونسب الإنجازات إلى غير أصحابها.

ومن أكثر صور الظلم الوظيفي قسوةً أن تُهيَّأ المناصب لأشخاص بعينهم، ويُقصى آخرون عمدًا، أو أن تُحاك القرارات في الخفاء بدافع التشفي والانتقام، تحت أي شعار أو غطاء. فكل إجراء يُدبَّر في الظلام للإضرار بإنسان، أو حرمانه من حق، أو الانتقاص من قدره دون وجه حق، هو ظلم، وإن أُلبس ثوب النظام، أو اختبأ خلف ثغرة قانونية.

لستُ مثاليًا، ولا أطلب من الناس أن يكونوا ملائكة؛ فقط:

كن عابرًا لطيفًا.
إن لم تنفع، فلا تضر.
وإن لم تمدح، فلا تذم.
وإن لم تُصلح، فلا تُفسد.
كن بلسمًا على الجرح، ولا تكن سببًا في تلويثه إن لم تستطع إبراءه.
كن إنسانًا طبيعيًا يحب الخير للآخرين، كما يحبه لنفسه.

وفي النهاية، أترك الرسالة مفتوحة للجميع؛ فكم من مظلوم هنا، هو في موضع آخر، ظالمٌ لغيره، وكم من إنسان يطالب بحقه من الآخرين، ثم ينسى حقوقهم عليه، بل وربما كان ظالمًا لنفسه.

وقد قيل: «إذا دعتك قدرتك على ظُلم الناس، فتذكّر قدرة الله عليك».

وتكمن المصيبة الكبرى فيمن استساغ طعم حقوق الناس بالباطل، وهو يعلم ذلك، أو يتغافل عنه، متكئًا على غطاء قانوني، أو ستار عائلي، أو نفوذ يظن أنه سيبقى له إلى الأبد.

فالإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل في أصله ضعيفًا؛ والظلم كالدَّين، يعود إلى صاحبه ولو بعد حين. قد يراه في دنياه، وقد يُؤخَّر إلى يوم لا تضيع فيه المظالم، وذلك أشد وأمر.

هب أنك، يا صاح، ابتُليت يومًا بمرض لا يُرجى شفاؤه، والمرض يصيب الصالح والطالح، وفقدت بذلك نسبةً هائلة من قدرتك؛ فما قيمة ما تملكه اليوم من مال أو نفوذ أو وجاهة اجتماعية، إن لم تعد تملك زمام أمورك؟

وليس أخطر من أن يرحل الإنسان عن الدنيا وسجلّه مثقل بحقوق العباد، والأدهى من ذلك أن يفقد القدرة على التوبة والإصلاح وردّ المظالم؛ فلا يستطيع أن يقول: ظلمت فلانًا فأعيد إليه حقه، ولا أن يعتذر ممن كسر قلبه، ولا أن يصلح ما أفسدته يداه.

لذا، فعجّل وبادر إلى ردّ المظالم المادية والمعنوية؛ فالله غفور رحيم، وهو أيضًا شديد العقاب.

ولعل أبلغ ما نختم به:

راجع نفسك اليوم؛ لأن الغد ليس بيدك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights