الخواطر

في عينيك سرًّا

  سليمان بن حمد العامري

دعيني سيدتي أقبل يديك…

لعل عمري يعود فأصير طفلاً من جديد، لا يعرف من هذا العالم إلا دفء يديك، ولا يحفظ من الجمال إلا عينيك.

ودعيني ألهو بخصلات شعرك الناعم، حتى أحفظ العطر الذي تضعينه، وأعرف كيف تستطيع رائحة واحدة أن تختصر امرأة كاملة، ثم تبقى العمر كله في ذكراك.

أنا لست عاشقًا كما يصف العاشقون أنفسهم…

ولكنني تيمت بك حتى لم أعد أعرف متى ابتدأت الحكاية، ولا في أي لحظة صار قلبي يسير دون أن يشعر بخطاك.

كلما حاولت أن أضع بيني وبينك مسافة، وجدتك أقرب إلي من المسافة نفسها، وكأن في عينيك سرًّا يعيد ترتيب شتاتي، وفي ابتسامتك وطنًا صغيرًا يأويني إلى رؤياك.

دعيني أمامك كما أنا…

بلا ادعاء، وبلا تلك الحكمة التي يتظاهر بها الرجال حين يخشون الاعتراف، فأنا أمامك أفقد شيئًا من منطقي، وأربح طفولة ظننت أن العمر قد أخذها مني، حتى ردتها إليّ نجواك.

ولهذا أشتهي أن أجلس قربك في هدوء…

لا لأقول كلامًا عظيمًا، وإنما لأتأمل تلك التفاصيل التي تمر على الآخرين عابرة، بينما تمر على قلبي كأنها قصيدة كتبتها الحياة في محياك.

أراقب كيف ينسدل شعرك…

وكيف تسبق عيناك ابتسامتك…

وكيف يزداد وجهك جمالًا حين تحاولين أن تخفي خجلك، فأبقى صامتًا، كأن الكلام كله أصبح أقل جمالًا من لقاك.

فلا تلوميني إن أطلت النظر…

فأنا لا أتأملك لأنني تيمت بك فحسب، بل لأنني أخشى أن تمر الحياة مسرعة، فلا أحفظ منك ما يكفيني إذا جاء يوم ولم أجد فيه إلا صدى ذكراك.

وإذا مددت يدي إليك، فلا تسحبيها سريعًا…

فربما لم أكن أبحث عن يدك بقدر ما كنت أبحث عن ذلك الطفل القديم في داخلي، الذي ظن أن العمر أبعده إلى الأبد، حتى عاد حين لامس دفء يديك.

سأختفي عن أنظار العالم، وأبقى بجوارك وحدك…

فلا تزعلي مني، فقد أحببت فيك ذلك الحنان الذي يذيب جليدًا ظل طويلًا يسكن قلبي، حتى صار الدفء كله بعضًا من هواك.

ولا تغضبي إن اقتربت منك أكثر مما ينبغي…

فأنا أغار عليك حتى من كوب الماء حين يلامس شفتيك، ومن النسمة حين تعبث بشعرك، ومن الطريق لأنه يعرف وقع خطاك.

دعيني أقترب حتى لا يبقى بيننا برد ولا مسافة…

حتى أشعر أنني دفء يحيط بك، وظل يمشي إلى جوارك، وقلب اختار من بين هذا العالم كله أن يسكن في حماك.

دعيني أقترب من تفاصيلك برفق…

حتى يذوب ذلك الجليد كله، وأصير ماءً يروي أزهارك، ويعيد إلى قلبك نبضه، وإلى أيامك ربيع مناك.

وحين يتعب قلبك…

سأكون طبيبك.

لا أحمل دواءً في يدي، وإنما أحمل حنانًا في قلبي، وأجلس إلى جوارك كمن يعرف أن بعض الجراح لا تحتاج دواء، بل تحتاج قلبًا يصغي إلى شكواك.

سأداوي ما استطعت من تعبك، وأجمع ما بعثرته الأيام فيك، لا لأنني أريد منك شيئًا، وإنما لأنني أريد أن أراك سعيدة، وقد عادت الطمأنينة تسكن دنياك.

وسأضمد وجعك بحضن طويل…

حضن يجمع شتاتك، ويهدئ خوفك، ويقول لك دون كلام:

أنا هنا…

فلا تخشي شيئًا ما دام قلبي قريبًا من مأواك.

وأمام حنانك، دعيني بلا كبرياء…

دعيني أضع كل عنادي جانبًا، وأقترب منك كمن عاد أخيرًا إلى المكان الذي ظل يبحث عنه طوال عمره، فلم يجد بعد التيه إلا رضاك.

لا أريد منك شيئًا كبيرًا…

يكفيني أن تضميني إليك قليلاً، وأن تستريح يدي بين يديك، وأن أشعر للحظة أن ضجيج العالم كله قد ابتعد، ولم يبق منه إلا هدوء أنفاسك ودفء مسراك.

أمامك لا أريد أن أكون قويًا دائمًا…

أريد أن أكون ذلك القلب الذي يلين لك وحدك، ويهدأ إذا لامسته يداك، ويسكن إذا سمع منك كلمة تحمل طمأنينة نجواك.

دعيني أتكئ عليك كما يتكئ المتعب على مأمنه الأخير…

وامسحي عن قلبي ما أثقله، ودعيني أترك قسوتي خلفي، فلا أحمل إلى قربك إلا صدقي وصفاء رجواك.

إن غضبت مني، سأصمت حتى يهدأ قلبك…

وإن ابتعدت، سأبقى عند باب الشوق، لا أطلب من الدنيا شيئًا إلا ألا يطول غيابك، وألا يحرمني العمر من لقاك.

فأنا حين أكون بقربك لا أبحث عن انتصار…

ولا أريد أن أثبت شيئًا…

أنا فقط أريد أن أخسر كل قسوتي، وأن أربح ذلك الحنان الذي لا يشبه في قلبي سواك.

فلا تهجري قلبًا انصهر شوقًا إليك…

قلبًا تعلم على يديك أن الضعف أمام من نحب ليس انكسارًا، وأن بعض الخضوع حب، وبعض الصمت دعاء، وبعض النجاة أن نبقى في هواك.

دعيني أقترب منك برفق…

وأهمس لك بما أخفيته طويلًا:

لقد عشقتك حتى لم يعد لقلبي سبيل إلى النجاة منك…

وكأن قربك صار قدري الجميل،

وكأن العمر كله، بعد طول التيه، جاء بي أخيرًا إلى عينيك.

فكيف لقلب وجد فيك طفولته…

ووجد فيك دفأه…

ووجد فيك طمأنينته…

أن يعرف بعدك معنى الرحيل،

وقد صار أجمل ما في العمر…

لقاك؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights