شرارة تحرق غابة
عائشة الفارسية
نتعجب من أن تُقدَّم لك نصيحة فتسمع أحدهم يقول لك بعد النصيحة «عادي، هي غلطة صغيرة، ما تضر لهذه الدرجة»، وكأنه يملك ميزانًا يزن به الذنوب “هذا ثقيل نتركه للآخر، وهذا خفيف لا يستحق أن نتوقف عنده”، وهنا تكمن الخدعة، فالحريق لا يأتي كبيرًا، في البداية هو يبدأ صغيرًا ويكبر إذا لم نتداركه، أو أننا استصغرنا ذلك وتساهلنا معه، وقلنا “لا بأس” هذه المرة فقط، كذلك الأمور الغلط والذنوب، تُدرِّبنا شيئًا فشيئًا على أن نراها أمرًا عاديًا، حتى يتحول التكرار إلى اعتياد، والاعتياد إلى جزء منا، ونعتبره أمرًا اعتياديًا، وعادةً تتكرر، ومع التكرار تتصلب قلوبنا دون أن نشعر.
الذنب لا يقتل القلب فجأة، هو ينخر فيه بهدوء، يبدأ بحبات رمل تتراكم كل يوم “غفلةٌ منا، وتأجيلُ توبةٍ، ونظرةٌ، وكلمةٌ، وموقفٌ سكتنا عنه”، ومع الوقت نجد قلبنا قد امتلأ غبارًا، فلا يعود يشعر بلذة العبادة ولا بحرارة الخشوع، لهذا حذرنا النبي ﷺ فقال «إيَّاكم ومُحقَّراتِ الذُّنوبِ، كقومٍ نزلوا في بطنِ وادٍ، فجاء ذا بعودٍ حتَّى أنضجوا خبزتَهم، وإنَّ مُحقَّراتِ الذُّنوبِ متى يُؤخذُ بها صاحبُها تُهلِكُه».
عودٌ واحدٌ لا يشعل حريقًا لكن عشرات الأعواد تحرق غابةً، وكذلك هي الصغائر؛ إن اجتمعت على العبد أهلكته وهو لا يدري، مشكلتنا ليست في الذنب وحده إنما في تأجيل الرجوع عنه، في أن نقول “سنتوب غدًا” ونحن لا نعلم هل سيأتي غدٌ وهل هناك فرصةٌ للرجوع والتوبة، أم أن المنية تسبقه، ونظن أن هناك ذنوبًا تستحق التوبة، وأخرى يمكن تجاهلها، وكلها عند الله محسوبة.
القلوب لا تظلم فجأة هي تظلم شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الحرام مألوفًا، والطاعة ثقيلةً، لذلك لا ننتظر أن تكبر الشرارة، علينا إطفاؤها وهي صغيرة، ولا نستهين بذنب، ولا نؤجل الاستغفار والتوبة، فربما كانت تلك «الصغيرة» هي التي تحرق كل ما بنيناه، وتبني بيننا وبين الله جدارًا سميكًا دون أن ندري.
لذلك لا نحقر ذنبًا مهما صغر في عيوننا، ولا نؤجل توبةً مهما بدت لنا غير ملحَّة، علينا أن نبادر الآن قبل أن تتراكم الذرات فتحجب عنا النور، اللهم طهِّر قلوبنا من الغفلة، وارزقنا يقظةً وتوبةً صادقةً قبل أن يفوت الأوان.



