مَيَّاء الصوافية
أمي نقشت في الروح زخرفة للجمال، وذلك حين يوزع الوقت ثوانيه على حركة الكون، وفي ذلك الزمن الذي ركب أحصنة البهجة وهي تسير في دروب الأثر، في زمن تلقي الفرحة الجميلة الحالمة وهي تطل علينا ببهاء الظهور، وعذوبة الأثر خلف كل شيء ينبت في الأرض البكر، وفي وجوه الرضا، وفي أعشاش الأمل الساكنة في الغصون المنتظرة لشيء جديد حتى ترتدي له أثواب الجمال.
أمي الفرحة المنسكبة على وجوه المحبين، الساكنة في أصوات التراحيب، وفي الدهاليز الناعمة التي تشتهي عناقيد القرب، وتتلذذ بالبهجة وهي في كؤوس الكرم.
أمي ربطت الوصل في شرايين القلب؛ فظل القلب ينبض باللقاءات المفرحة، والكلمات الوليدة المعسولة التي لتوها خرجت من جرار قلبها المعطر.
أمي دروبها دروب الرياحين المرتدية أثواب الطهر، تُسمِع الدنى خطوات الجلال، تذيب في الأرض البهاء، وتزرع على الثرى اللطف الخفي، تتسابق القلوب إلى أنس حديثها الذي تغذتْ جذوره بحروف صدقها، ومشارع كرمها.
أمي تخيط للأمل القادم نمنمات مزخرفة تعلقها على جدران بيوتنا، وعلى صفحات وجوهنا، وتبقيها لنا على امتداد نظراتنا في مجرى أيامنا كلحن جميل نتشبث بمدارجه نعزفه بالأمان الذي اعتدناه على ثراها الذي يحبنا ونحبه.
أمي ظلال حنان نمونا في حضنها نداوي خوفنا المكبوت، وخوفنا من الزمن المستخفي الذي تغطى بأثواب المجهول، إنها تطفئ بلمستها الحانية دموعنا الحارة حين يجرحها الأسى، وحين تكون قريبة من الأراضي التي تلونت بالألوان الكاذبة.
أمي هدية الأيام بأشرطتها الزاهية تعنون كل موقف بحب مدفون وظاهر، إنها تلك الفرحة التي تنشر حنانها المستفيض على زوايانا الحية، وظللنا محتفظين بهذا الحنان حتى بعد رحيلها نشمه في ذكراها المبهجة، ووصيتها الحنونة.
أمي براحة يديها الناعمتين تزيل الأشواك الدامية من أيامنا عندما تكتسي أشجارُ أيامنا أثواب الذبول، إنها لا تنتقي من الأرض إلا الجمال فتغذّي به لنا طيبًا، ونجعل صدورنا له مفتوحة نتتبع نسماته الباردة.
أمي مسحة من عافية تمسح على رؤوسنا، فيسري الجد بأيدينا؛ فنمنح العالم شيئًا من أثرها.
أمي هي كلمة أمان تضيء حروفها قلوبنا، نتكئ عليها كسند نمضي إليه إذا ما حاولت الأيام أن تكسرنا.
أمي هي الشجاعة تجعلنا نغرس أرجلنا على الواقع الزلق، ولا نخاف أن نقع؛ لأنها من خلفنا جدار من أمان، وضمة حب من فزع.
أمي هي قلب امتد في كل أزمنتنا المتضادة نعود إليه حين توجعنا الخيبات، وحين تتزين صدورنا بأوسمة النجاح. حتى بعد رحيلها الموجع، ربتنا بيديها الحانيتين المسالمتين؛ لنحيا بسلام في هذا العالم.
أمي هي الحب غير المشروط تحبنا في كل أوقاتنا، ونراها في أحلامنا المستيقظة والنائمة.
أمي علمتنا أن الرقي لا نصل إليه إلا بسلم الجد، والخلق الرفيع، وأن نغذي أيامنا بالأمل؛ لنكون أفضل من أمسنا.
أمي كانت طبطبة حانية على قلوبنا المتعبة، وكان وجودها سعادة أمان؛ فهي الباب المشرع دفتيه لنا في كل الأوقات.

