ترنيمة حب صادقة إلى أطفالي
نعيمة بنت راشد البلوشية
بين دفء الحضور وواجب السند: صراع قلب أم
تبدأ الحكاية حين ينطفئ صخب المكاتب وتُغلق الأبواب على تعب يومٍ طويل، لتخرج الأم إلى عتمة الليل متسائلة: متى انقضى النهار؟ وحين ترفع بصرها نحو السماء المظلمة، لا ترى مجرد سكون المساء، بل ترى سباقاً خسرته مع عقارب الساعة؛ فالصغار قد استسلموا للنوم، وأغلقت عيونهم البريئة دون قبلة دافئة، ودون أن تروي لهم تفاصيل يومها أو تسمع ضحكاتهم.
في تلك اللحظة التي يختلط فيها الجوع الجسدي بالإرهاق النفسي، ويصبح انتظار العودة إلى البيت مساحة مفتوحة للألم والتأمل، ينفجر في الصدر سؤال أزلي وحارق: لماذا نحمل نحن النساء كل هذا الثقل فوق أكتافنا؟ لماذا نتحمل مضاعفة الجهد وساعات الغياب الشاقة، ونحن نركض في مضمار الحياة دون توقف، مدفوعين بفطرة نقية ترجو تأمين حياة كريمة ومستقبل هانئ لمن نحب؟
هنا تتجلى الحقيقة الأكثر دفئاً وإيلاماً في آنٍ واحد؛ إننا نغادر المنزل ونكدّ طوال النهار حتى لا يشعر أبناؤنا بالحرمان، وحتى لا ينقصهم شيء مما يتمناه أقرانهم، لكننا في خضم هذه التضحية نكتشف المعادلة المُرّة: إن الشيء الوحيد الذي ينقصهم في غيابنا هو نحن. ينقصهم الحضور، والحضن، واليد الحانية التي تمسح على رؤوسهم عند المساء، والصوت الذي يطمئن قلوبهم قبل المنام.
نعم، أريد أن أكون معهم في كل لحظاتهم، أن أشهد خطواتهم الأولى نحو كل حلم، أن أشاركهم تفاصيل يومهم الصغير وضحكاتهم العفوية، وفي الوقت ذاته، أريد أن أكون لهم سنداً متيناً، وجداراً آمناً يحميهم من تقلبات الغد وقسوة الأيام. هو ذاك التوازن الصعب بين قلبٍ يتوق للبقاء بجانبهم، وعقلٍ يدرك أن واجبه يقتضي أن يقف في الميدان ليمهد لهم دروب الأمان.
إننا نقتطع من رصيد ساعاتنا معهم لنبني مستقبلاً أجمل، لنستيقظ أحياناً على حقيقة أن طفولتهم تركض بأسرع مما نرجو، وأن الأيام تمضي بلا استئذان. تلك البراءة تحتاج كفاحك بقدر ما تحتاج دفء وجودك، وتضحياتك اليوم ليست إلا ترنيمة حب صامتة، تسعى لأن تمنحهم الحياة والوجود معاً.

