حتى لا نبخس الأشياء
خليل بن علي الهادي
لطالما أتى البخس بكلمة تتوافق مع معناها، وتصل بعد ذلك إلى إدراك عقولنا وصفات قلوبنا، وما تتهاون عنه النفس دون حساب ذاتي، إلى أن تصل إلى مصطلح «الشيء». فالبخس قد لا يكون في مال أو متاع فحسب، وإنما قد يتجاوز ذلك إلى أشياء كثيرة نمر بها في حياتنا، وربما لا ندرك أننا قد بخسناها حقها.
ولهذا أوردها جلّ وعلا في قرآنه، وفي مفاتيح دنيانا، بقوله تعالى: *﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾*، وقد وردت هذه الآية في سور الأعراف وهود والشعراء، وهو تكرار رباني يؤكد أن الأمر ليس بسيطًا، وأن البخس مأزق كبير، ومساءلة نفسية تنتظر الإنسان.
فعند الغني قد يكون البخس في أمواله تجاه أولاده وأهله وأفراد مجتمعه، وعند صاحب المنصب قد يكون في منازعته للكفاءات وظلمها خوفًا على ما هو فيه، وعند رب الأسرة قد يكون في تصنيف تربيته وفق أهوائه بين أبنائه، وعند الفقير قد يكون في احتقاره للنعمة وبخسها حقها، فتأخذه قلة الشكر إلى النظر فيما في أيدي غيره.
وهنا يأتي العدل؛ لمن وُجّهت هذه الرسالة؟ ومن هو الذي يتصف بها؟ وما الذي تؤول إليه الأمور إن كان الإنسان عادلًا أو ظالمًا؟ وماذا بعد ذلك؟ وهل ندرك ما أوقعنا فيه أنفسنا، ثم نبرره دون قصد أو مقصد منا؟
والغريب في الأمر أن هذه الآية تتكرر في أكثر من سورة وفي أكثر من موقف، ولماذا لا تتكرر، وهي التعليم الرباني الذي يقف الإنسان أمامه متأملًا، مهما بلغت علوم الدنيا واتسعت معارفها؟
فلماذا إذن نبخس الجميل والمعروف؟
ولماذا نستكثر على المحسن إحسانه؟
ولماذا يكون التجاهل أسهل علينا من كلمة «شكرًا»؟
ولماذا نبتعد عن واقع من عاشرك بمعروف دون مصلحة زائفة؟
قد نختلف، ولا بأس في الاختلاف، ولكن لا ينبغي أن يكون الاختلاف سببًا في بخس الأشياء حقها. اعترف بما أنعمت به عليك الحياة، واعترف بما وجدته من خلال الغير، واعترف لمن وقف معك أو أحسن إليك، فليس من الإنصاف أن نأخذ المعروف حين نحتاج إليه، ثم ننساه حين تنتهي حاجتنا.
قد يكون الإنسان قد وصل إلى مكانه بجهده، وهذا حقه، لكنه لا يعني أن ينكر من أعانه، أو من فتح له طريقًا، أو من منحه فرصة. وقد يكون صاحب المنصب في موقعه بجدارة، وهذا أيضًا حقه، لكن الجدارة لا تمنحه حق إقصاء الآخرين أو التقليل من كفاءاتهم.
فالإنصاف أن ترى الشيء كما هو، لا كما تريد أن تراه.
وأن تعطي الإنسان حقه، حتى وإن لم تكن بينك وبينه مصلحة.
وأن تقول للمحسن: أحسنت، دون أن تشعر أن الاعتراف بفضله ينقص منك شيئًا.
وأن تنظر إلى من اختلفت معه بعين الإنصاف، لا بعين الخصومة.
فليس كل بخس مالًا، وليس كل حق شيئًا يمكن أن نمسكه بأيدينا. هناك جهد يُبخس، وكفاءة تُبخس، ومعروف يُبخس، وموقف جميل يُبخس، وكلمة طيبة لا تجد طريقها إلى صاحبها.
وقد يكون أقسى البخس أن يعرف الإنسان الحق ثم يتجاوزه، ويعرف المعروف ثم يتجاهله، ويعرف فضل الآخرين ثم يبحث عن الأسباب التي تجعله لا يعترف به.
إن الإنسان قد ينسى كلمة قيلت له، ولكنه لا ينسى دائمًا شعوره عندما شعر أن حقه قد بُخس. وقد يتجاوز موقفًا عابرًا، لكنه قد يحتفظ في داخله بأثر إنسان لم ينصفه في وقت كان ينتظر منه الإنصاف.
ولهذا فإن الإنصاف حق ثابت؛ لا تمييز فيه، ولا جفاء، ولا كذب. وهو خُلق يجمع لك الخير، قريبًا كان أو بعيدًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نراجع أنفسنا قبل أن نراجع الآخرين، وأن نسألها بصدق: كم من شيء بخسناه حقه ونحن نظن أننا لم نظلم أحدًا؟
وكم من معروف أحاط بنا ثم اعتدناه حتى نسينا صاحبه؟
فالبخس قد يحدث بصمت، وقد لا يراه أحد، لكنه يبقى في ميزان الإنسان.
ومن هنا، فإن العدل لا يبدأ من الآخرين، وإنما يبدأ من داخل النفس؛ من قدرتنا على الاعتراف، وعلى الشكر، وعلى إعطاء الأشياء والناس قدرها الحقيقي.
اختلف، لا بأس بذلك، لكن أنصف.
ابتعد، إن شئت، لكن لا تنكر الجميل.
نافس، ولكن لا تبخس الكفاءة.
احكم، ولكن لا تجعل الهوى ميزانك.
واعترف بالمعروف، فليس في الاعتراف به نقص، بل هو من تمام الوفاء.
حتى لا نبخس الأشياء، علينا أن نتوقف قليلًا قبل أن نصدر أحكامنا، وأن ننظر إلى ما حولنا بعين أكثر إنصافًا؛ فقد يكون الشيء الذي نراه صغيرًا في أعيننا كبيرًا في حياة إنسان آخر.
وقد يكون ما نعتبره أمرًا عابرًا قد ترك أثرًا لا نعرفه.
لذلك، فلنعطِ كل شيء قدره، وكل إنسان حقه، وكل معروف شكره، ولنجعل الإنصاف سلوكًا نعيشه، لا كلمة نقولها عندما نحتاج إليها.
حتى لا نبخس الأشياء… فلنُنصف؛ لأن الإنصاف لا يزيد من قيمة الآخرين فحسب، بل يكشف قيمة الإنسان في نفسه.



