مقالات صحفية

المولد النبوي .. الجاهزية النفسية للتحول

  عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي

للمولد النبوي الشريف في القلب معنى لا يشبه سائر الذكريات؛ فهو لا يجيء محمولًا على التاريخ وحده، بل تحمله المحبة، وتستقبله الأرواح بشيء من الشوق والسكينة. وما إن يطل ربيع الأول حتى تعود إلى الوجدان ذكرى النور الذي أشرق في مكة، ثم امتد رحمةً وهدايةً للعالمين.. الحمد لله.

وفي هذه الذكرى لا نقف عند حدود الحكاية الجميلة، ولا نثقل أنفسنا بالعتاب؛ بل نقترب منها في هدوء، ونفتح بابًا لطيفًا لبداية جديدة، ثم نسأل:

ما الذي ينبغي أن يولد في قلوبنا كلما أقبلت ذكرى مولد محمد ﷺ؟

وُلد النبي ﷺ مرةً في مكة، لكن معاني رسالته تستطيع أن تولد في القلوب كل يوم؛ حين يتراجع إنسان عن غضبه، وحين يصل رحمًا طال جفاؤها، وحين يرد كلمةً جارحة كانت على طرف لسانه، وحين ينتصر على عادة تستنزف عمره، وحين يعيد ترتيب أولوياته على ضوء ما ينفعه في دنياه وآخرته.

ومن هنا، لا يكون الاحتفاء بالمولد استعادةً لليلة مضت بقدر ما يكون استعدادًا لميلادٍ جديد في داخل الإنسان؛ ميلاد بصيرةٍ بعد غفلة، وسكينةٍ بعد اضطراب، وعزمٍ بعد تردد، ومعنىً بعد تشتت.

نحن نعرف كثيرًا من أحداث السيرة، ونستعيد أسماء رجالها ووقائعها ومواقفها، وننصت بمحبة إلى شمائل النبي ﷺ ومناقبه؛ غير أن الفجوة الأعمق لا تقع دائمًا في نقص المعرفة، وإنما بين السيرة التي نرويها والسيرة التي تُرى فينا؛ بين محبتنا للنبي ﷺ، وقدرتنا على تحويل هذه المحبة إلى خلقٍ وعادةٍ واختيار.

فليس السؤال: كم مرة قرأنا السيرة؟

إنما: كم مرة غيّرت السيرة قرارًا من قراراتنا؟

وليس السؤال: كم أنشدنا في مدحه ﷺ؟

بل: كم قسوةً نزعت محبتُه من قلوبنا؟

وليس السؤال: كيف احتفلنا بمولده؟

وإنما: ماذا وُلد في حياتنا من أخلاقه؟

لعل أكثر ما يحتاج إليه إنسان هذا العصر ليس مزيدًا من الأشياء، بل مزيدًا من الوضوح. لقد ازدحمت أيامنا بالمواعيد، وهواتفنا بالإشعارات، وعقولنا بالمقارنات، حتى أصبح المرء يعرف ما يحدث في أطراف العالم، ولا يكاد يعرف ما يحدث في قلبه.

نستيقظ على الشاشة قبل أن نستيقظ لأنفسنا، وننتقل من خبر إلى خبر، ومن صورة إلى صورة، ثم ينقضي اليوم وقد تحرك كل شيء حولنا إلا نحن.

وفي زحام هذا الحضور الرقمي، قد يجلس أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما يقيم كل واحد منهم في عالم بعيد. تتجاور الأجساد وتتباعد الأرواح، ويصبح السؤال الصادق عن الحال أندر من الرسائل السريعة، ويضيق وقت الإصغاء مع أننا لم نعرف زمنًا كثرت فيه وسائل التواصل مثل زماننا.

وهنا يوقظنا المولد إلى معنى الحضور: أن نكون حاضرين مع الله في عبادتنا، ومع أهلنا في مجالسنا، ومع أعمالنا في مسؤولياتنا، ومع أنفسنا في مراجعتها.

فقد كان النبي ﷺ إذا أقبل على إنسان أقبل عليه بكليته، حتى يشعر جليسه أن له مكانًا في القلب. ومن الاستعداد للسيرة أن نتعلم هذا الحضور؛ أن نضع الهاتف جانبًا حين يتحدث إلينا أب أو أم، وأن نصغي إلى الطفل قبل أن نجيبه، وأن نعطي اللحظة حقها بدل أن نعيش دائمًا في لحظة أخرى.

المشكلة ليست دائمًا في قلة الوقت؛ فكثيرًا ما تكون في اضطراب الأولويات. قد ننشغل بما هو عاجل عما هو مهم، وبما يراه الناس عما يصلح القلب، وبترتيب البيوت عن ترتيب النفوس، وبحساب المكاسب عن حساب ما بقي في أرواحنا من طمأنينة. وقد ننفق جهدًا طويلًا في تحسين صورتنا أمام الآخرين، ولا نجد وقتًا لإصلاح علاقتنا بأقرب الناس إلينا. نبحث عن التقدير البعيد، ونغفل عن كلمة امتنان يستحقها من يعيش معنا. نقلق مما لم يقع، ونحمل من الماضي ما لا نستطيع تغييره، ثم لا يبقى للحاضر في أيدينا إلا القليل.

إن الهدي النبوي يعيد الأشياء إلى مراتبها؛ فيضع حق الله في موضعه، وحق النفس في موضعه، وحق الأسرة في موضعه، وحق العمل والمجتمع في موضعه. فلا يطغى جانب على آخر، ولا يتحول النجاح في ميدان إلى فشل صامت في ميدان آخر. وربما كان الاحتفاء الأصدق بالمولد أن نجلس مع أنفسنا جلسةً لا يرانا فيها أحد، ثم نسأل: أيُّ هذه الأمور يستحق حقًا ما نبذله فيه من أعمارنا؟ وأيها تضخم حتى احتل مساحةً لا يستحقها؟ وما الحق المؤجل الذي آن أوان أدائه؟

قد نكتشف أن مكالمةً قصيرة لوالدينا أولى من ساعة نقضيها في متابعة ما لا يعنينا، وأن إصلاح خلاف قديم أهم من الانتصار في جدال عابر، وأن ساعةً مع أبنائنا أبقى أثرًا من كثير مما نظنه إنجازًا.

كثير من الناس يريدون حياةً أفضل، لكنهم ينتظرون أن تتغير الظروف أولًا؛ أن يهدأ العمل حتى يطمئنوا، وأن يتغير الآخرون حتى يحسنوا إليهم، وأن تزول المشكلات حتى يبدأوا، وأن يأتيهم الدافع كاملًا قبل أن يخطوا الخطوة الأولى. غير أن التغيير الصادق لا يبدأ دائمًا من الخارج؛ بل يبدأ حين يصبح القلب مستعدًا لتحمل مسؤوليته، وحين يكف الإنسان عن تعليق إصلاحه على شروط قد لا تجتمع له.

فالاستعداد النفسي ليس أن تختفي المخاوف، وإنما أن نعرف وجهتنا على الرغم منها. وليس أن نضمن النتائج، وإنما أن نبذل ما نستطيع بصدق. وليس أن نصبح كاملين قبل أن نبدأ، بل أن نبدأ بما عندنا، ثم ننمو في الطريق.

وقد صنعت التربية النبوية في النفوس هذا الاستعداد؛ فنقلت الإنسان من رد الفعل إلى حسن الاختيار، ومن العجلة إلى التثبت، ومن الانفعال إلى الحلم، ومن الشعور بالعجز إلى الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. ولذلك قد يكون أول ما نحتاج إلى تغييره ليس واقعنا، بل الطريقة التي نستقبل بها هذا الواقع. فقد يمر اثنان بالمحنة نفسها، فيخرج أحدهما منها أكثر غضبًا، ويخرج الآخر أكثر بصيرةً ورحمة. والفرق بينهما ليس في الحادثة وحدها، بل في القلب الذي تلقاها، والمعنى الذي منحها إياه.

معاركنا الصغيرة

ليس كل تغيير عظيم صاخبًا. بعض الانتصارات لا يراها أحد: أن تقاوم رغبةً في الغضب، وأن تعتذر بعدما اعتدت المكابرة، وأن تكف عن مقارنة حياتك بحياة الآخرين، وأن تؤجل شراء ما لا تحتاج إليه، وأن تنسحب من حديث يؤذي غائبًا، وأن تحافظ على وعد قطعته لنفسك.

هذه المعارك الصغيرة هي التي تبني الإنسان في الخفاء.

قد يكون انتصار المرء اليوم أن ينام وقلبه خالٍ من ضغينة، أو أن يبدأ صباحه بصلاةٍ خاشعة قبل أن يفتحه على ضجيج العالم، أو أن يستبدل الشكوى بخطوة عملية، أو أن يرد الإساءة بأدب، أو أن يعترف بخطئه من غير أن يبحث لنفسه عن عذر.

إننا نحب التغيرات الكبيرة لأنها لافتة، لكن السيرة تعلمنا أن البناء العظيم يبدأ من أعمال قليلة ثابتة. فالأخلاق لا تنزل على الإنسان دفعةً واحدة؛ وإنما تنمو كلما اختارها في موقف، ثم عاد فاختارها في موقف آخر، حتى تتحول من مجاهدة ثقيلة إلى طبيعة مستقرة.

من اضطراب الأولويات أن يقيس الإنسان سعادته بما يملك، أو يقيس قيمته بما يظهر عليه؛ فيدخل في سباق لا نهاية له: بيت أكبر، مركبة أحدث، مظهر أبهى، صورة أجمل أمام الناس.

ليس الجمال مذمومًا عزيزي القارئ، ولا السعة عيبًا، ولكن الخلل يبدأ حين نحمّل الأشياء ما لا تستطيع أن تمنحنا إياه؛ فنطلب من المال أن يعطينا الطمأنينة، ومن المظهر أن يصنع لنا القيمة، ومن إعجاب الناس أن يملأ فراغ القلب. وقد يثقل بعضنا نفسه بالتزامات لمجرد مجاراة الآخرين، ثم يدفع من راحته وسكينته ثمنًا لصورة أراد أن يحافظ عليها.

وهنا يعيدنا المولد إلى بساطة المعنى: أن تكون قيمة الإنسان فيما يحمل من صدق وأمانة ورحمة، لا فيما يعرض من متاع؛ وأن نملك الأشياء من غير أن تملكنا؛ وأن ننفق على ما نحتاج إليه، ونتصدق مما نحب، ونعرف أن الغنى الحقيقي غنى النفس.

وتمنحنا الشاشات كل يوم نوافذ مفتوحة على حياة الناس، لكنها تعرض لنا غالبًا لحظاتهم المنتقاة، ثم تدفعنا إلى مقارنتها بأيامنا كاملةً، بما فيها من تعب ونقص وتردد. نرى نجاحًا ولا نرى سنوات السعي وراءه، ونرى ابتسامةً ولا نرى ما وراءها، ونرى ثمرةً ولا نرى مواسم الجفاف التي سبقتها. ثم يعود الواحد منا إلى حياته ناقمًا على نعمٍ كان قبل دقائق مطمئنًا إليها. ومن الاستعداد النفسي أن يكف الإنسان عن قياس رحلته بخطوات الآخرين؛ فلكل امرئ ابتلاؤه وتوقيته وطريقه. وليس المطلوب أن يسبق الجميع، بل أن يكون اليوم أصدق وأصلح مما كان بالأمس.

والسيرة لا تصنع نسخةً واحدة من الناس؛ فقد بقي لكل صحابي طبيعته وموهبته، لكن الهدي أعاد توجيه هذه الطبائع نحو الخير. فلم يطلب من الإنسان أن يكون شخصًا آخر، بل أن يكون أفضل صورة مما يستطيع أن يكونه.

ولعل أجمل ما نهديه إلى حبيبنا النبي ﷺ في ذكرى مولده ألا نكتفي بمدحه، بل نختار خُلُقًا واحدًا من أخلاقه، ونجعله رفيق عامنا كله:

فإن اخترنا الرحمة، فلنسأل: من شعر برحمتنا؟

وإن اخترنا الحلم، فلنراقب أنفسنا عند الغضب، لا عند الرضا.

وإن اخترنا صلة الرحم، فلنبدأ بمن انقطع بيننا وبينه الحديث.

وإن اخترنا الأمانة، فلنتقن أعمالنا وإن غابت عنا أعين الناس.

وإن اخترنا التواضع، فلنصغِ إلى من اعتدنا مقاطعته أو تجاوزه.

وإن اخترنا القناعة، فلنتوقف قبل كل شراء ونسأل: أهذه حاجة، أم محاولة للظهور، أم هروب عابر من فراغ داخلي؟

وإن اخترنا الحضور، فلنمنح أهلنا كل يوم وقتًا لا تشاركهم فيه الشاشات.

هكذا تصبح المحبة فعلًا، ويصبح المولد بداية مسار، لا مناسبةً تنقضي بانقضاء يومها.

وليس المطلوب أن ننقلب في ليلة واحدة إلى أشخاص آخرين، ولا أن نحمّل أنفسنا وعودًا كبيرة سرعان ما تخفت؛ وإنما أن نبدأ من موضع واضح، بخطوة صغيرة، ثم نثبت عليها:

أن يقل أذى ألسنتنا قليلًا.

أن يصبح غضبنا أقصر عمرًا.

أن تكون صلاتنا أكثر حضورًا.

أن نجلس إلى آبائنا وأمهاتنا وقتًا أطول.

أن نمنح أبناءنا إصغاءً أصدق.

أن نخفف من المقارنات والشكوى.

أن نترك عادةً تستنزفنا.

وأن نقدم المهم على العاجل، والمعنى على المظهر، وما يبقى على ما يزول.

إن المولد النبوي ليس ذكرى مجيء رجل عظيم إلى العالم فحسب؛ بل تذكيرٌ بأن الإنسان، مهما تشتت، يستطيع أن يجمع نفسه، ومهما أثقلته عاداته، يستطيع أن يبدأ من جديد، ومهما ابتعد، يبقى طريق العودة مفتوحًا.

لقد وُلد محمد ﷺ في عام الفيل، ولكن السؤال الذي يخص كل واحد منا اليوم هو: ما الذي سيولد فيَّ أنا من أخلاق محمد ﷺ؟

فإذا جاء المولد المقبل وقد صرنا أهدأ نفوسًا، وأوضح وجهةً، وأحسن ترتيبًا لأولوياتنا، وأرحم بأهلنا، وأصدق مع أنفسنا، فقد عبرت السيرة من صفحات الكتب إلى تفاصيل الحياة.

وهناك، في ذلك الموضع الخفي بين النية والعمل، يكون للمولد معنى لا ينقضي بانقضاء ليلته، بل يمتد نوره في الأيام كلها.

كل عام أنتم بخير

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights