مقالات صحفية

من يتيم إلى قائد أمة … في ذكرى المولد النبوي

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

الكل يعرف أو مرت عليه قصة ميلاد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت نشأته، وحياته؛ تلك النشأة التي لا بد أن نتعلم منها الدروس ونعلمها لأبنائنا ليعرفوا معنى الصبر والحرمان.

يقول أحمد شوقي:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

في كل عام، ومع دخول الشهر الثالث من الشهور الهجرية، تتجدد في قلوب المسلمين مشاعر الحب والفرح؛ لتلوح في الأفق ذكرى الثاني عشر من ربيع الأول، ذكرى المولد النبوي الشريف.

وُلد النبي الكريم يتيمًا، فقد توفي والده عبدالله وهو في بطن أمه، ثم فقد أمه آمنة في سنٍ مبكرة، فكفله جده عبدالمطلب، ثم عمه أبو طالب. ورغم هذا الفقدان المبكر، هيأ الله لنبيه أسباب العزة والكرامة، وتربى تحت عنايته الخاصة، ليكون قدوةً في الصبر والتحمل، فما كان يتمُ قريش سببًا لإذلاله، بل كان أشرف من وطئ الحصى.

أغرُّ عليه للنبوة خاتمٌ
من الله مشهودٌ يلوحُ ويُشهدُ

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبي إلى اسمهِ
إذا قال في الخمسِ المؤذنُ أشهدُ

نشأ النبي الكريم في بيئةٍ عربيةٍ أصيلة، وعُرف بين قومه بالصادق الأمين، لصدقه وأمانته، فكانت سيرته العطرة عنوانًا للنزاهة والوفاء، وقد شارك في الحياة العملية مبكرًا، فرعى الغنم وتاجر بأموال خديجة، التي أعجبتها أخلاقه فأحبته وتزوجته، لتكون نعم الزوجة ونعم السند في بداية دعوته.

ليست ذكرى المولد النبوي مجرد احتفالٍ نحييه في موسمه، بل هو مرآة للوعي؛ اللحظة التي نتوقف فيها لنرى هل نحن حقًّا على خطاه صلى الله عليه وسلم؟ وكم بقي من أخلاقه فينا؟
فكل يومٍ نعيشه على خُلُقِه، هو ميلادٌ جديد لرسالته فينا، وكل لحظة نتذكّر فيها أننا بشرٌ نحتاج إلى قدوة، نُدرك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس مجرّد شخصٍ مضى، بل نورٌ لا ينطفئ، ودربٌ لا ينتهي.

في المولد، نجتمع لنُذكّر أنفسنا بأننا نملك في تاريخنا ملهمًا لا يشبه أحدًا، رجلًا ترك وراءه أمةً لا تعرف المستحيل، وشريعةً لا تموت بموت العصور.

في إنسانيته تكمن عظمته؛ صلى الله عليه وسلم كان يجلس مع الفقير، ويعود المريض، ويحن على الصغير، ويستمع إلى الناس، ويعامل أصحابه بوجه طلق. لم يكن يرى في القيادة امتيازًا يرفعه فوق الناس، بل مسؤولية تجعله أقرب إليهم. ولذلك لم تكن رسالته مجرد أحكام تُحفظ، بل أخلاقًا تُعاش. قال صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وكأن الرسالة، في جوهرها، تريد أن تبني إنسانًا لا يؤذي، ولا يظلم، ولا يخون، ولا يستعلي على غيره.

ليست سيرة محمد صلى الله عليه وسلم حكاية رجلٍ مرّ في التاريخ ثم مضى، بل حكاية إنسانٍ جعل الله من حياته رسالة، ومن أخلاقه طريقًا، ومن رحمته جسرًا عبرت عليه أمة من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان. إنها مناسبة نستلهم فيها معاني الصبر والوفاء، ونتذكر سيرة الرجل الذي غيّر مجرى التاريخ، ورفع راية التوحيد، وأسس مجتمعًا قائمًا على العدل والمساواة.

يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا
مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ

لَو لَم تُقِم ديناً لَقامَت وَحدَها
ديناً تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ

زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
يُغرى بِهِنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ

المولد النبوي ليس ذكرى ميلاد رجل عظيم، بل هو تذكير برسالة عظيمة، وبقيم لو عادت إلى حياتنا كما ينبغي، لأصبح العالم أكثر رحمة، والإنسان أكثر إنسانية.
فلنجعل من ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم إحياءً لسنته في أخلاقنا وتعاملنا.

سلامٌ عليك يا رسول الله، يوم وُلدت، ويوم حملت الرسالة، ويوم أديت الأمانة، ويوم تركت الدنيا، وسلامٌ عليك ما بقي في هذه الأرض قلبٌ يعرف معنى المحبة والرحمة. صلى الله عليه وسلم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights