مقالات صحفية

لم أختر وحدتي ..

    سامية النبهانية

لم أختر وحدتي.. ولكن كبر سني هو الذي جعلني أكون في زاوية مكان يشعرني أنني بالفعل في وحدة لا أعرف نهايتها.. فقد بلغت من الكبر عتياً .. لم أختر عمري لأبقى في وحدة منعزلاً عن ضجيج الحياة وضحكات من حولي..

نعم، هذه هي الحقيقة … مواقف أثّرت في نفوسنا.. وأثارت الحزن بداخلنا أن نرى آباءنا وأمهاتنا في ركن بعيد،  في زاوية خالية بعيدة عن مكان الأبناء .. نعم، حقيقة نعيشها بالفعل..

أصبح الأب أو الأم كباراً في السن يعيشون في غرفة بعيدة عن مكان إقامة أبنائهم..

هل يعقل أن تكون غرفة الأم عند المطبخ؟

مثل عاملة المنزل.. هل أصبح هذا مقام الأم؟؟  معقول ما في مكان داخل البيت يتسع لها..

تجدها وحيدة طول الوقت… لا تسمع سوى

أنين وحدتها..

والبعض الآخر.. يضع الأم أو الأب طريحي الفراش في مكان غير مهيأ لهم.. مكان

يرثى له.. مكان خالٍ من الإحساس بمعنى

لا يجدون فيه الراحة الحقيقية لكونهم أنهم

لا حول لهم ولا قوة،، يعيشون في وحدة..طول الوقت وكأن ذنبهم أنهم أصبحوا كبار السن.. هم يحسون بوحدتهم.. ويحتاجون من يؤنس وحدتهم.. في هذا العمر وخاصة كبير السن وهو طريح الفراش لا يقوى على الحركة يحتاج عناية خاصة من كل النواحي وخاصة.. العناية النفسية لها دور كبير في تقليل الوحدة.. فالجلوس معهم يحسسهم ويشعرهم بالانتماء والأمان.. ويقلل من مشاعر الحزن والعزلة.. مسن أعياه الزمان فأصبح يرقد في سرير طبي

وحيد كل وقته لا يراه أحد من أحفاده إلا إذا أتى أحد لزيارته.. أيعقل هذا؟؟

والبعض يضع عاملاً أو عاملة يقومون برعاية ذلك المسن المريض برغم وجود أولاد وبنات

له لا يرونه إلا على فترات طويلة..

أين أصبح بر الوالدين في زماننا؟؟

وموقف أثار الحزن بداخلي.. رجل مسن يقف على الطريق ويبدو على ملامحه علامات التعب والإعياء.. وملابس يرثى لها كأنه لا يجد

غيرها.. يقف على طرف الطريق ينتظر أحد يقف له ولكن دون جدوى..

أسرت ببطء.. لأقف بجواره.. ليركب.. سألته:

أين تريد أن أوصلك يا أبوي..

فذكر مكاناً معيناً.. كان سمعه خفيفاً عندما كنت أتكلم معه كأنه لا يسمعني..

يقول لي: كنت أقف فترة طويلة في الطريق

ولم يقف لي أحد.. وعلى مسافة الطريق يتكلم عن حاله.. وأنه يعيش وحده لا أحد معه

يقول أولادي ما حد منهم يسأل عني ولا أحد يعرفني البنات والأولاد ما كأني أبوهم

إذا وجدوني في الطريق ما حد منهم يسلم علي… لقد أعياه الزمان وأصبح يعيش بفرده

أين أولاده؟ الذين تعب بتربيتهم ليكونوا رجالاً.. أصبحوا حتى السلام لا يسلمون عليه..

أيعقل هذا!

أكثر شيء يؤلم المسن وهو في فراشه ليست الوحدة نفسها وإنما ما يؤلمه إحساس أنه ما أحد يتذكره..

أحياناً الإنسان المسن ما يحتاج شيء كبير

وإنما يحتاج أحد يسأل عنه ويجلس معه ويسولف معه يحسسه أنه لازال عطاؤه مستمراً حتى وإن صار مسناً وفي مكانه..

فالكلمة الطيبة والإحساس الصادق له تأثير كبير في نفوسهم..

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ الإسراء ٢٣-٢٤

صدق الله العظيم

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights