مقالات صحفية

من نحن؟

  سليمان بن حمد العامري 

يبدأ سؤال من نحن؟ بشكل عام، لأنه يبحث في حقيقة الإنسان ومكانه من الوجود، لكنه قد يبقى حديثًا عن البشر من بعيد، دون أن يمس من يطرحه. فما أسهل أن نتأمل الإنسان، وما أصعب أن يقف كل واحد منا أمام نفسه. لذلك لا يكتمل السؤال حتى ينتقل من صيغة الجمع إلى أعماق الفرد، فيسأل بصدق: من أنا؟

وأول ما يقتضيه هذا السؤال هو أن نجرد أنفسنا، ولو للحظة، من الأسماء والألقاب والأنساب والمناصب والأموال، وأن نسكت ضجيج الشهوات التي تزين لنا ما نحب. فهذه الأوصاف تعرف الناس بنا، لكنها لا تكشف حقيقتنا كاملة. ماذا يبقى من الإنسان إذا سقط لقبه، وانصرف عنه المادحون، ولم تعد مصلحته تجذب الآخرين إليه؟ هناك، خلف ما جمعته الدنيا حوله، تبدأ ملامح ذاته في الظهور.

غير أن سؤال من أنا؟ لا يقصد فقط منع الإنسان من ظلم أو فساد، على أهمية ذلك؛ فالأمر أكبر من إصلاح فعل منفرد. إنه يعيده إلى أصل الطريق: لماذا وجدت؟ وما الذي يستحق أن أنفق فيه عمري؟ وأي إنسان ينبغي أن أكون؟ وقد لا يغير هذا السؤال موقفًا عابرًا فحسب، بل يغير البوصلة التي تقود حياة كاملة؛ لأن من عرف غايته أعاد النظر في قيمة ما يملك، وفي الطريقة التي يعامل بها نفسه والناس.

ويُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان قبل نزول الوحي يخلو في غار حراء، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد. ولانعرف كل ما كان يجري في تلك الخلوة، ولا يجوز أن نملأ صمتها بتخميناتنا؛ غير أن صورتها تضعنا أمام معنى عميق: إن ضجيج الحياة قد يحجب عن الإنسان إدراك ماهيته، وإن النفس تحتاج أحيانًا إلى سكون تتخفف فيه من زينة العالم، وتتوجه إلى الله، حتى ترى أين تقف وإلى أين تمضي.

لكن الخلوة وحدها لا تكفي؛ فقد يعود الإنسان منها أكثر اقتناعًا بنفسه إن لم يجد ميزانًا يراجعها به. ومن هنا تأتي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفها مرآة تكشف لنا المسافة بين ما نحن عليه وما ينبغي أن نكون. ولهذا، تحرص بعض الدول والمجتمعات على إحياء ذكرى المولد النبوي، وإقامة المحاضرات التي تستعيد سيرته العطرة. وليست قيمة الذكرى في أن تبقى احتفالًا عابرًا، بل في أن توقظ فينا سؤال الاقتداء: ماذا بقي من رحمته وعدله وتواضعه في أخلاقنا وأعمالنا؟ ومع أن الاقتداء به لا يقتصر على مناسبة، بل يستمر طوال حياة المسلم، فإن لكل مقام مقالًا؛ وقد تكون الذكرى لحظة تعيد إلى القلب ما أخمده الاعتياد، وتجعل السيرة قوة حية تعيد تشكيل حاضر الإنسان.

فاسأل: من نحن؟ لتبحث عن حقيقة الإنسان، ثم اسأل: من أنا؟ لتعرف موقعك من هذه الحقيقة. لا تطلب جوابًا يريحك أو يزين صورتك، بل جوابًا يوقظك، ويقودك إلى الله، ويعيد ترتيب حياتك. فقد لا تكون أشد خسارة أن يفقد الإنسان مالًا أو منصبًا، بل أن يعيش طويلاً، ثم يرحل دون أن يعرف لماذا كان هنا، ولا من كان ينبغي أن يكون.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights