مقالات صحفية

قضايا على طاولة التربية _الراحة ليست تربية والقسوة ليست حلاً _

بقلم: علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

يخطئ من يظن أن التربية تقاس بحجم ما يقدمه لأبنائه من وسائل الراحة، كما يخطئ من يعتقد أن القسوة وحدها هي الطريق إلى بناء الشخصية. وبين هذين الطرفين المتناقضين ضاعت فلسفة التربية الحقيقية، التي تقوم على إعداد الإنسان للحياة، لا على حمايته من كل تحدياتها.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح من المألوف أن نسمع من يصف أبناء هذا الجيل بأنهم أقل صبراً، وأضعف تحملاً للمسؤولية، وأكثر اعتماداً على غيرهم. وربما كان في هذا الوصف شيء من الصحة، لكن السؤال الذي يغيب عن كثير من النقاشات هو: كيف وصلنا إلى هذه النتيجة؟ وهل الأبناء وحدهم مسؤولون عنها؟
إن الطفل لا يولد متكاسلاً، ولا اتكالياً، ولا عاجزاً عن تحمل المسؤولية، وإنما تتشكل شخصيته تدريجياً داخل الأسرة، ثم في المدرسة، ثم في المجتمع. ولذلك فإن أي خلل في هذه المنظومة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه أزمة جيل، بل بوصفه قضية تربوية تستحق المراجعة.
لقد دفعت محبة الأبناء كثيراً من الآباء والأمهات إلى بذل كل ما يستطيعون من أجل راحتهم، وهو شعور إنساني نبيل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحب إلى حماية مفرطة، وإلى إزالة كل عقبة من طريق الأبناء، والقيام عنهم بكل ما يستطيعون القيام به بأنفسهم.
فالطفل الذي لا يُمنح فرصة لتحمل مسؤولية تناسب عمره، لن يكتسب مهارة تحمل المسؤولية عندما يكبر. والابن الذي يجد من يحل عنه كل مشكلة، قد ينجح في تجاوز المواقف اليومية، لكنه سيجد صعوبة في مواجهة الحياة عندما يقف وحده أمام تحدياتها.
إن التربية ليست خدمة دائمة نقدمها للأبناء، بل هي تدريب مستمر لهم على أن يصبحوا قادرين على خدمة أنفسهم، واتخاذ قراراتهم، وتحمل نتائجها.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى استعادة القسوة أو الشدة المفرطة ليست حلاً أيضاً. فالتربية التي تقوم على التخويف قد تنتج طاعة مؤقتة، لكنها لا تبني شخصية واثقة، ولا تنشئ إنساناً قادراً على الحوار، أو المبادرة، أو تحمل المسؤولية عن قناعة.
إن المطلوب ليس العودة إلى أساليب الماضي، ولا الانسياق الكامل وراء أنماط التربية الحديثة، وإنما تحقيق التوازن بين الحزم والرحمة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحماية وإتاحة الفرصة للأبناء كي يخطئوا ويتعلموا ويكتسبوا الخبرة.
كما أن المدرسة لا تستطيع أن تنجح في رسالتها إذا حملت وحدها عبء التربية، فالأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم، والمدرسة شريك في بنائها، والمجتمع مسؤول عن ترسيخها. وكلما ضعفت هذه الشراكة، ازدادت الفجوة بين ما نرجوه من الأبناء وما نغرسه فيهم.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف النجاح في التربية. فالنجاح لا يقاس بعدد ما نوفره لأبنائنا، وإنما بقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم، واحترام الآخرين، وإدارة حياتهم بثقة واتزان. فالأب الذي يعلّم ابنه كيف يواجه الحياة، يقدم له هدية تبقى معه مدى العمر، أما من يواجه الحياة بدلاً عنه، فإنه يؤجل المشكلة ولا يحلها.
إن بناء الإنسان لا يبدأ بتوفير كل أسباب الراحة، ولا يتحقق بإرهاقه بالقسوة، وإنما يبدأ بتربية متوازنة تجعل من الحب قوة دافعة، ومن الحزم إطاراً منضبطاً، ومن المسؤولية أسلوب حياة.
على طاولة التربية
التربية الحقيقية لا تعني أن نصنع حياة سهلة لأبنائنا، بل أن نصنع أبناء قادرين على مواجهة صعوبات الحياة. فكلما أحسنا إعدادهم اليوم، خفّت معاناتهم غداً، وكانوا أقدر على بناء أنفسهم، وأسرهم، وأوطانهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights