مقالات صحفية

عشرون عامًا من الانتظار… كيف انتصر الحلم على الظروف؟

بقلم-  سميرة أمبوسعيدية

تؤجلنا الحياة عن أحلامنا، لكنها لا تستطيع أن تنتزعها من قلوبنا، فالأحلام الصادقة لا تموت، وإنما تنتظر اللحظة التي يأذن الله لها أن ترى النور.

لطالما آمنت بأن لكل إنسان حلمًا يولد معه، يكبر في داخله عامًا بعد عام، وربما يتوارى خلف ظروف الحياة، لكنه لا يختفي أبدًا. وما بين الحلم وتحقيقه رحلة طويلة، عنوانها الصبر، ومحطاتها الإيمان، ونهايتها يكتبها الله في الوقت الذي يراه خيرًا لعباده.

كنت واحدة ممن حملوا حلمًا صغيرًا منذ الطفولة. فمنذ الثانية عشرة من عمري، كنت أجد نفسي بين الكتب والكلمات، وأشعر بانجذاب عميق إلى عالم الصحافة والكتابة. كنت أؤمن أن رسالتي ستكون في نقل القصص، وتوثيق الحكايات، وصناعة الكلمة التي تلامس القلوب.

وعندما أنهيت دراستي الثانوية العامة عام ١٩٩٩م، كان حلم دراسة الصحافة يملأ وجداني، لكن الواقع كان يحمل صفحة مختلفة. فقد كان القبول في الجامعات والكليات آنذاك لطلبة القسم الأدبي يشترط الحصول على نسبة 85%، بينما كانت نسبتي 80% فقط.

خمسة بالمئة فقط…
كانت كفيلة بأن تُغلق الباب الذي رسمت خلفه كل أحلامي.

في تلك المرحلة، شعرت أن حلمي قد انتهى قبل أن يبدأ، وأن سنوات الشغف قد تبعثرت أمام قرار لم يكن بيدي تغييره. مضت الأيام، ثم الأعوام، وانشغلت بالحياة ومسؤولياتها، حتى ظننت أن ذلك الحلم أصبح مجرد ذكرى جميلة أرويها لنفسي بين الحين والآخر.

لكن ما يغيب عن الإنسان، لا يغيب عن تدبير الله.

ففي عام ٢٠٢١م، وفي أثناء جائحة كورونا، بدأت صفحة جديدة في حياتي، حين التحقت متطوعة بفرع جمعية إحسان بمحافظة الداخلية لخدمة كبار السن. لم أكن أدرك حينها أن العمل التطوعي لن يمنحني فرصة للعطاء فحسب، بل سيعيد إلي حلمًا انتظر أكثر من عقدين من الزمن.

كانت البداية ميدانية؛ زيارات، وبرامج، ومبادرات، ولقاءات إنسانية مع كبار السن. وفي خضم تلك الأنشطة، وجدت نفسي أتجه تلقائيًا إلى توثيق الأحداث وكتابة التقارير. كنت أكتب بشغف، وأتعلم مع كل سطر، وأراجع أخطائي بكل حب.

وكان من أعظم نعم الله عليّ أن سخر لي أشخاصًا احتضنوا بداياتي، وآمنوا بإمكاناتي، ولم يبخلوا عليّ بالنصح والتوجيه. كانوا يصححون أخطائي اللغوية، ويمنحونني الثقة، ويزرعون في داخلي يقينًا بأن الموهبة تنمو إذا وجدت من يرعاها.

ومن هنا بدأت رحلتي الحقيقية.

قضيت عامًا كاملًا أقرأ، وأتعلم، وأبحث، ثم التحقت بدورة متخصصة في إعداد الخبر الصحفي، وهناك أدركت أن الصحافة ليست مجرد كتابة، بل مسؤولية، ورسالة، ومهارة تُصقل بالممارسة.

بدأت بعدها بإعداد التقارير الصحفية وإرسالها إلى المراسلين. وما زلت أذكر ذلك الشعور الذي غمرني وأنا أرى أول أعمالي منشورة في الصحف. لم يكن يشغلني آنذاك أن يظهر اسمي بقدر ما كانت تسعدني فكرة أنني استطعت أن أقدم عملًا يليق بما كنت أحلم به منذ سنوات.

ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة معارفي، وتعرفت إلى نخبة من الإعلاميين والصحفيين والكتّاب، الذين كان لهم أثر كبير في إثراء تجربتي، حتى جاءت اللحظة التي بدأ فيها اسمي يظهر كأحد كتّاب صحيفة “النبأ” الإلكترونية، لتنطلق بعدها مرحلة جديدة من مسيرتي الإعلامية.

لكنني كنت أؤمن أن قلمي يستطيع أن يقدم أكثر من الخبر.
كنت أبحث عن الإنسان خلف الحدث، وعن القصة التي تستحق أن تُروى.

وجاءت نقطة التحول عندما التقيت بإحدى الأمهات من محافظة الداخلية، والتي كانت مصدر الإلهام لكتابة أول قصة إنسانية بعنوان “حكايتي مع مسن”. كانت تلك القصة بداية مختلفة، اكتشفت فيها أن الكتابة ليست نقلًا للمعلومة فقط، بل صناعة للأثر، وحفظًا للذاكرة الإنسانية.

ومنذ ذلك اليوم، توالت المقالات والقصص، وأصبحت أحد كتّاب صحيفة “حبر الوطن” الإلكترونية، كما نُشرت لي مقالات متعددة في صحيفة “الرؤيا”، لتكبر المساحة التي يحتضنها قلمي يومًا بعد يوم.

ولم تتوقف الرحلة عند حدود سلطنة عُمان، بل امتدت إلى فضاء عربي أوسع، حين تشرفت بنشر مقالاتي ورقيًا في صحيفة “الجسر الثقافي” الصادرة من الجمهورية التونسية والمطبوعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما كان لصحيفة “اليوم” العُمانية دور بارز في توثيق كتاباتي وإبرازها، وهو ما منحني مسؤولية أكبر للاستمرار والعطاء.

ومع مرور السنوات، تجاوزت تجربتي حدود العمل الإعلامي داخل الجمعية، لأشارك في التغطيات الصحفية للعديد من الجهات الحكومية، والمؤسسات الخاصة، والفرق التطوعية، والجمعيات الأهلية، مؤمنة بأن الإعلام رسالة، وأن توثيق الإنجازات المجتمعية هو جزء من صناعة الوعي.

واليوم، عندما ألتفت إلى تلك الفتاة التي غادرت قاعة الثانوية وهي تظن أن حلمها قد انتهى، أدرك أن الله كان يدخر لها طريقًا أجمل، وتجربة أغنى، ونجاحًا بُني على الصبر والاجتهاد، لا على الظروف.

لقد علمتني الحياة أن العمر ليس مقياسًا للإنجاز، وأن البداية قد تأتي بعد الأربعين كما قد تأتي في العشرين، وأن الأحلام لا يحددها الزمن، بل تحددها الإرادة والإيمان.

ولولا فضل الله تعالى، ثم دعم كل من أخذ بيدي، وصحح لي، وشجعني، وغرس في داخلي الثقة، لما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم. سيبقى لكل من آمن بقلمي مكانة لا تُنسى في رحلة نجاحي.

*حين يكتب الله للحلم أن يولد من جديد*
رحلتي لم تكن مجرد انتقال من حلم إلى واقع، بل كانت رسالة علّمتني أن الله قد يؤخر الأمنيات ليمنحها نضجًا أكبر، وأن الأبواب التي تُغلق في وجوهنا ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية لطريق أجمل لم نكن نراه.

قد يبدأ الحلم في الطفولة، لكنه لا يرتبط بعمر، ولا تحده السنوات، ولا توقفه الظروف. فكل خطوة صادقة، وكل محاولة مخلصة، وكل دعاء خرج من القلب، هي لبنة في بناء مستقبل قد يفوق كل التوقعات.

واليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا من الانتظار، أيقنت أن الأحلام لا تُقاس بسرعة تحققها، بل بقيمة الرحلة التي نصنعها في سبيلها. فلا شيء مستحيل ما دام في القلب يقين بالله، وفي النفس شغف لا ينطفئ، وفي الروح متسع للعطاء. فالأمنيات الصادقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع أبدًا، ومن يسعَ إليها بإيمان وعزيمة سيجد يومًا أنها كانت تسير نحوه كما كان يسير إليها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights