هل كانت الجاهلية كما صُوِّرت لنا؟
سليمان بن حمد بن مسعود العامري
تأمل في الإنسان العربي بين الرواية والذاكرة والحكم العام ..
الماضي لا يطلب منا أن ندافع عنه، بل أن نصغي إلى تعقيده قبل أن نحكم عليه.
حين نقرأ زمنًا بعيدًا، لا نراه كما عاشه أهله، بل كما وصل إلينا في أخبار وأشعار وقصص حفظتها الذاكرة لأنها جديرة بالحفظ. وبين الحياة والصورة التي استقرت عنها مسافة قد تملؤها الانتقاء والتأويل. ولعل الجاهلية من أكثر الأزمنة حاجة إلى هذا الوعي؛ إذ تُستدعى نقيضًا للإسلام، حتى يكاد اسمها يتحول من وصف لمرحلة عقدية واجتماعية إلى حكم شامل على إنسانها.
ولا يُراد من هذا التأمل تبرئة ذلك الزمن؛ فقد عُرِف الشرك والظلم والربا والزنا ووأد البنات والعصبية. غير أن وجود الرذيلة يختلف عن تصورها كطبيعة غالبة. ومن هنا ينهض السؤال: هل كانت أخبار الانحراف تصف وجهًا من وجوه المجتمع، أم كانت مرآة له كله؟ ليست الغاية أن نجيب سلفًا، بل أن نتأمل ما تسمح به الشواهد وما أضافه إليها الحكم اللاحق.
بين ما وقع وما كان سائدًا
أول ما يستوقفنا هو الفرق بين وقوع الفعل وشيوعه. فقد تقع الخطيئة في مجتمع يستقبحها، وتتكرر من غير أن تصبح قيمة مقبولة. ونحن نرى في كل عصر مفاسد لا يصح أن تُتخذ وحدها تعريفًا لأخلاق أهله. فلماذا نحتاط عند وصف حاضرنا، ثم نطمئن إلى الأحكام الواسعة عن مجتمع غاب عنا أكثر تفصيله؟ لعل القرب يكشف التنوع، بينما يجعل البعد الماضي كتلة واحدة في أعيننا.
ثم إن الرواية، وإن صحت، تجيب غالبًا: ماذا وقع؟ ولا تجيب وحدها: كم مرة وقع، وفي أي فئة، وكيف نظر الناس إليه؟ وقد يبقى الخبر لأنه غريب، بينما تمر آلاف البيوت المستقرة بلا قصة. وهكذا قد تكون الذاكرة صادقة فيما حفظت، دون أن تكون ممثلة لكل ما نسيته. فالتريث ليس إنكارًا للرواية، بل احترام لحدودها.
ما الذي تقوله بنية المجتمع؟
وإذا انتقلنا من الخبر إلى بنية المجتمع، واجهتنا صورة أكثر تركيبًا. فقد عظم العرب النسب، وعدوا حماية النساء من الفخر، وربما جر الاعتداء على العرض قبيلة إلى حرب. فكيف نجمع بين هذه الحساسية تجاه الشرف وبين تصور أن العفة لم تعن إلا قلة من السادة؟ لا يقدم السؤال جوابًا نهائيًا، لكنه يمنع المرور على الصورتين بلا تفسير.
صحيح أن الأشراف كانوا أقدر على حماية نسائهم، وأن المجتمع القبلي لم يساو بين الحرة والأمة، ولا بين امرأة القبيلة وامرأة العدو. وربما كان الدفاع عن العرض عصبية أكثر منه مبدأ إنسانيًا عامًا. ومع ذلك، لم يخض الأشراف الحروب وحدهم؛ بل حمل عامة الرجال السلاح ودفعوا من دمائهم. فهل دافعوا عن معنى لا يتصل بكرامتهم؟ أم كانت قيمة العرض حاضرة في الوجدان الجمعي، وإن طبقت بانتقائية؟ تبدو الصورة أبعد من طهارة عامة أو انحلال عام.
العشاق وصورة المرأة الحرة
وفي هذا السياق تفتح أخبار العشاق نافذة على الروح الاجتماعية. ففي قصة عنترة وعبلة تقف المكانة والنسب ورضا الأسرة بين المحب ومحبوبته. وفي خبر المرقش الأكبر وأسماء، تتزوج المرأة بغير من أحبها، فيتحول الحب إلى حرمان ووفاء وشعر. فالمرأة في هذه القصص قد تحب، وقد تُمنع، وقد تُزوج بغير من أحبت، لكن الحكاية لا تجعل الزنا طريقًا طبيعيًا لتجاوز المنع؛ بل تقوم مأساتها على هيبة الأسرة، وحفظ النسب، وحرمة الزواج، والخوف من العار.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نستبدل تعميمًا بتعميم؛ فقصص العشاق ليست إحصاءً للعفة، كما أن أخبار الفواحش ليست إحصاءً للانحلال. لكنها ترينا القيم التي أحب المجتمع أن يرويها عن نفسه. وعنترة نفسه عاش على هامش المكانة قبل أن ينتزع اعتراف قومه، ثم صنعته الذاكرة فارسًا يجمع الحب إلى الصبر. أفلا يوحي ذلك بأن المروءة لم تكن حكرًا على الثراء والسيادة، بل أفقًا يرتفع إليه الإنسان ولو حاصرته طبقته؟
وتروى عن هند بنت عتبة عند بيعة النساء، حين ذُكِر النهي عن الزنا، عبارتها المتعجبة: «أوتزني الحرة؟»، وجاء في بعض ألفاظ الخبر المرسل: «لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟». لم يكن سؤالها طلبًا لجواب، بل استفهامًا إنكاريًا؛ فلفظ «الحرة» لا يشير إلى امرأة بعينها، وإنما يستحضر صورة اجتماعية كاملة، كأن الزنا خارج عما يتصور في الحرة ابتداء، حتى بدا النهي عنه تذكيرًا بأمر مستقر. وتكتسب دهشتها دلالة خاصة لأنها لم تتحدث عن زمن سمعته، بل عن مجتمع عاشته وعرفت أعرافه. ومع ذلك، تظل العبارة وصفًا للمعيار لا إحصاءً للواقع؛ فهي لا تنفي إمكان وقوع الخطيئة، لكنها تكشف أنها لم تكن مما يقبل من الحرة أو ينسب إليها بلا عار.
الإتمام لا يبدأ من فراغ
ومن المسافة بين الخطيئة والمعيار نصل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». فعندما يقول قائل: أتيتُ لأتم لكم القصة، نفهم أن لها أصلًا يحتاج إلى إكمال؛ أما إذا لم تبدأ، فإنه يأتي ليرويها أو ينشئها. وهكذا يوقظ لفظ «أتمم» سؤالًا: ما الذي كان قائمًا من المكارم، وما الذي جاء الإسلام ليصححه ويبلغ به غايته؟
لعل الإتمام لا يزكي الماضي ولا يضيف يسيرًا إلى بناء مكتمل. لقد وجد الإسلام كرمًا تخالطه المباهاة، وشجاعة تنقلب عدوانًا، ووفاء تحكمه القبيلة، وغيرة تصون امرأة وتظلم أخرى؛ فأبقى جوهر الفضيلة وردها إلى التوحيد والعدل، وأبطل الشرك والربا والزنا والوأد والظلم. وهكذا لم يمح الإنسان العربي ليصنع آخر من العدم، بل أعاد ترتيب طاقاته ونقله من سلطان العرف إلى ميزان يتجاوز القبيلة.
وعلى هذا، يمكن فهم الجاهلية على أنها اختلال في المرجعية، لا انعدامًا للعقل والضمير. فقد يكون الإنسان مشركًا وفيه وفاء، وكريمًا وفي كرمه رياء، ويحمي جاره ثم ينصر قريبه ظالمًا. لم تكن الفضائل المتفرقة كافية لصنع مجتمع عادل، لكنها لم تكن عدماً. ولعل عمق التحول الإسلامي أنه أعاد تعريف الفضائل نفسها، حتى لا تبقى الشجاعة قوة بلا حق، ولا الغيرة عصبية بلا عدل، ولا الكرم مجدًا بلا إخلاص.
صورة الماضي وأثرها في فهم الرسالة
ثم إن صورة الماضي تؤثر في فهم الرسالة نفسها. فإذا صُور العرب كأنهم لا يعرفون عفةً ولا مروءة إلا عند نفر من سادتهم، فقد يتساءل القارئ: كيف قام فيهم نبي، وكيف استجاب له رجال حملوا الرسالة وضحوا من أجلها؟ وربما ظن غير المسلم أن الإسلام ظهر في فراغ إنساني كامل. غير أن الرسالات لا تهبط على ملائكة ولا على وحوش؛ بل تخاطب بشرًا تختلط فيهم الفطرة بالهوى، والخير بالنقص.
ومن هنا، لا يحتاج بيان عظمة الإسلام إلى جعل ما قبله ظلامًا خالصًا. فقد يكون التحول أعمق حين نراه انتقالًا من مروءة محدودة إلى أخلاق عالمية، ومن شجاعة القبيلة إلى شجاعة الحق، ومن حماية نساء الجماعة إلى حرمة الأعراض كلها. فالإسلام لم يغير الأفعال فحسب، بل غير الميزان الذي تُفهم به.
وتقال عبارة: «التعميم لغة الجهلاء». ولعل الأدق أن التعميم المتعجل باب من الجهل؛ فالعقل لا يرفض الحكم العام، لكنه يطلب له من الشواهد ما يساوي سعته. أما الماضي، فالأليق به تواضع معرفي يثبت ما ثبت ويتأمل دلالته قبل أن يحول الحادثة إلى طبيعة أمة. ولعل أقرب الصور أن العرب لم يكونوا ملائكةً ولا كتلةً من الرذيلة، بل بشرًا حملوا فطرة ومروءة خالطهما شرك وظلم وعصبية؛ فجاء الإسلام ليهدي ما فيهم من قوة، ويقيم ما اعوج، ويتم ما بقي من مكارم الأخلاق.



