مقالات صحفية

بوصلة الحياة

د. طالب بن خليفه الهطالي
ليست الحياة مجرد زمن يعبر بنا من يوم إلى آخر، بل هي المعنى الذي نصنعه داخل هذا العبور؛ فقد يعيش الإنسان أعواما طويلة في حركة دائبة، ثم يكتشف أنه لم يقترب من ذاته خطوة واحدة؛ فالحركة لا تصبح مسارا إلا حين تعرف غايتها، والزمن لا يتحول إلى حياة إلا حين يسكنه وعي يميز بين ما يملأ الساعات وما يبني الإنسان؛ ولهذا لا تكمن المأساة في أن يتأخر المرء عن الوصول، وإنما في أن يصل إلى مكان لم يختره، وأن يستيقظ بعد سنوات على حياة رتبتها المصادفة وصاغتها توقعات الآخرين؛ عندئذ لا يكون قد فقد الطريق فحسب، بل يكون قد فقد حقه في اختيار الوجهة.
تعيش شريحة من الشباب وسط وفرة غير مسبوقة من الخيارات والمعلومات؛ غير أن كثرة الطرق لا تمنح الإنسان اتجاها، بل قد تزيد حيرته حين لا يمتلك معيارا داخليا يختار به؛ فهو يعرف أخبار العالم، لكنه لا يعرف ما الذي يريده من نفسه، ويتابع نجاحات الآخرين، لكنه يعجز عن تخيل صورته بعد خمسة أعوام؛ وتشير بيانات برنامج PISA 2022 إلى أن نحو اثنين من كل خمسة طلاب في الخامسة عشرة داخل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا يملكون خطة مهنية واضحة؛ ولا يعني ذلك أنهم عاجزون عن الحلم، بل يدل على أن الحلم قد يظل غائما حين لا يجد صاحبه توجيها يحول الرغبة إلى اختيار، والطاقة إلى مسار.
وليس كل شاب بلا هدف كسولا أو قليل الطموح؛ فقد يكون مثقلا بكثرة الخيارات، أو محاصرا بصور نجاح لا تشبهه، وقد يعيش بين رغبة أسرته، وما يفرضه المجتمع، وما تعرضه الشاشات، حتى يضيع صوته بين أصوات الجميع؛ ولهذا يعيش بعض الشباب يومهم كما لو أن المستقبل حادث سيقع خارج إرادتهم، ويستهلكون الزمن في إشباعات صغيرة متلاحقة، حتى يصبح العمر إنفاقا صامتا لا يشعر صاحبه بخسارته إلا بعد أن تتراكم السنوات.
ليست المتعة خصما للحياة؛ فالإنسان يحتاج إلى الفرح والراحة، لكنها تفقد براءتها حين تتحول من استراحة في الطريق إلى بديل عن الطريق؛ عندئذ لا يعود الشاب مستمتعا بالحياة، بل مستهلكا لها، يطلب نتيجة سريعة بلا بناء، ويبحث عن حضور لامع بلا مضمون، وينسحب من كل تجربة تحتاج إلى صبر أو انضباط؛ يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾؛ وفي هذا الموضع يوقظ القرآن وعي الإنسان بعلاقته بالغد، فالغد ليس زمنا منفصلا يولد فجأة، وإنما يتكون من قرارات اليوم، ومن العادات التي نكررها حتى تصير جزءا من مصيرنا.
قد تتوافر المدارس والجامعات والمنح والمنصات والكتب، ثم يبقى التعلم غائبا؛ فالمؤسسة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تمشي داخل عقل الإنسان، ويمكن للطالب أن يحضر سنوات طويلة في قاعات التعليم من غير أن يسمح للمعرفة بأن تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم؛ وهنا تكمن الأزمة حين يتحول التعليم إلى عبور شكلي نحو شهادة أو وظيفة، فيدرس بعض الشباب لاجتياز الاختبار لا للفهم، ويحفظون ليعبروا المرحلة، ثم يفرغون ذاكرتهم مما حملته؛ وهكذا يصبح النجاح رقما في سجل أكاديمي، لا نموا في الوعي.
والإنصاف يقتضي ألا نحمل الشباب وحدهم المسؤولية؛ فالدافعية لا تولد دائما من الأوامر واللوم، وتوضح نظرية التحديد الذاتي أن الحافز الداخلي يقوى حين يشعر الإنسان بأنه يملك مساحة للاختيار، وبأنه قادر على الإنجاز والتقدم، وبأنه منتم إلى بيئة إنسانية وتعليمية داعمة؛ وحين تغيب هذه الاحتياجات قد يصبح التعليم واجبا خارجيا، لا مشروعا شخصيا، وتتحول المعرفة من تجربة للنمو إلى عبء يسعى الطالب إلى التخلص منه.
اختزل بعض الناس معنى النجاح في وثيقة تمنحهم لقبا اجتماعيا، وصارت الشهادة عندهم نهاية الرحلة، مع أنها إعلان عن بداية مسؤولية جديدة؛ فهي تثبت أن حاملها استوفى متطلبات مرحلة علمية، لكنها لا تضمن أن تلك المرحلة تركت في عقله ما يوازي اسمها؛ ولهذا يبدو السؤال القرآني عميقا في بساطته: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾؛ فلم يجعل القرآن المعيار في حمل الشهادات، وإنما جعله في حقيقة العلم، وفي أثره داخل الإنسان.
نتفق على أن الشهادة قد تفتح بابا، لكن المعرفة هي التي تمنح صاحبها القدرة على العبور منه والاستمرار فيما بعده؛ وقد تمنحه الشهادة وظيفة، لكن الكفاءة هي التي تمنح عمله قيمة؛ أما العلم الحقيقي فهو ما يستقر في العقل، ثم يظهر في السؤال والتحليل والقرار والأخلاق؛ إنه لا يسكن الذاكرة وحدها، بل يغير طريقة النظر، ويمنح صاحبه شجاعة الاعتراف بما لا يعرف؛ فالشهادة تخبرنا بالمستوى الذي بلغه الإنسان، أما فكره فيكشف مقدار ما بلغه ذلك المستوى من داخله.
نحن لا نعيش أزمة نقص في المعلومات، بل نعيش أحيانا أزمة عجز عن تحويلها إلى معرفة؛ فحين تتدفق الأخبار والمقاطع والآراء يصبح العقل مزدحما من غير أن يكون ممتلئا، وتبقى المعلومة التي لا تخضع للفهم والنقد ضجيجا، مهما بدا صاحبها واسع الاطلاع؛ فالتعلم الحقيقي ليس تخزينا لأجوبة جاهزة، بقدر ما هو بناء عقل يستطيع أن يصوغ السؤال الصحيح، وأن يميز بين الظهور والقيمة، وبين الشائع والصحيح، وبين النجاح الذي يصفق له الناس والنجاح الذي يترك أثرا.
وهنا تتسع بوصلة الحياة؛ فهي لا تشير إلى مهنة فحسب، بل تشير إلى نوع الإنسان الذي نريد أن نصبحه، وإلى القيم التي نرفض أن نخسرها ونحن نصعد، وإلى المعرفة التي تحمينا من أن نصير نسخا متشابهة؛ ولا تحتاج استعادة البوصلة إلى معرفة الطريق كله، وإنما يكفي أن يعرف الشاب ما الذي يستحق عمره، وأن يبدأ من موضعه الحقيقي: بكتاب يقرؤه بوعي، ومهارة يتعلمها بإتقان، وصحبة تحترم نموه، ووقت يسترده من التشتت، وخطوة صغيرة يكررها حتى تصبح اتجاها.
إن بوصلة الحياة ليست أداة نحملها في اليد، بل وضوح يتكون في الداخل حين يتصالح الإنسان مع ذاته، ويعرف قيمه، ويدرك أن وقته مادة وجوده؛ وهي ليست وعدا بحياة خالية من الحيرة، وإنما قدرة على ألا تتحول الحيرة إلى إقامة دائمة؛ ولهذا لا يحتاج الشباب إلى من يذكرهم بأن المستقبل قادم فحسب، بل يحتاجون إلى من يساعدهم على رؤيته في أفعالهم اليومية، ويحتاجون قبل ذلك إلى أن يؤمنوا بأن حياتهم ليست مساحة للاستهلاك، وأن التعليم ليس ورقة عبور، وأن النجاح ليس صورة يراها الآخرون، بل بناء يتشكل في العقل والضمير والقدرة على الإضافة.
وفي آخر الطريق لن تكون قيمة الإنسان في عدد الشهادات التي جمعها، ولا في حجم الضجيج الذي صنعه حول اسمه؛ ستكون قيمته في مقدار ما فهم، وفي الإنسان الذي أصبحه بسبب ما تعلم، وفي الأثر الذي تركه بعد أن مضى؛ فحين يعرف الإنسان سبب وجوده، وما المطلوب منه، وإلى أين يتجه، لا تعود خطواته مجرد حركة داخل الزمن، بل تصبح حياة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights