مقالات صحفية

ذكرى لا يغادرها القلب

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

هناك تواريخ قد تُنسى، وتواريخ يظل صداها خالدًا، وتختار أن تسكن قلوب الناس، قبل أن تكون ذكرى في عقولهم. أيام خالدة تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل من خلال القص التي تُحكى من الآباء للأبناء، وفي هذه الأيام يمر علينا يوم خالد يحمل معه ذكرى عزيزة وغالية لدى الشعب العماني عامةً، ولدى كبار السن ممن بقي منهم خاصة.
يوم خالد لا يستقبله العُمانيون كأي يوم لمناسبة عابرة، بل يستحضرون معه بداية مرحلة صنعت الفارق في حياتهم وحياة الوطن، وغيرت ملامح الإنسان قبل المكان؛ إنه الثالث والعشرون من يوليو، هو أحد تلك الأيام الخالدة في التاريخ العماني.

في مثل هذا اليوم من عام 1970، كان العُمانيون على موعد مع ميلاد جديد. لم يكن الثالث والعشرون من يوليو مجرد تاريخ، بل كان بداية مرحلة أعادت للوطن ثقته بنفسه، وفتحت أمام أبنائه أبوابًا واسعة نحو المستقبل.
هذا التاريخ الذي لا يغادر فكر وقلب كل عماني عاش أو سمع أو قرأ عن تلك الحقبة المظلمة قبل عام 1970م.

حين تولى السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم، أشرقت عُمان نورًا، عندما سمع أهلها أول خطاب من هذا القائد الحكيم مخاطبًا فيه شعبه..
قائلًا: “شعبي..
أتحدث إليكم كسلطان مسقط وعُمان بعد أن خلفت والدي يوم 18 جمادى الأولى 1390هـ الموافق 23 يوليو 1970م. وإني أعدكم أول ما أفرضه على نفسي أن أبدأ بأسرع ما يمكن أن أجعل الحكومة عصرية، وأول هدفي أن أزيل الأوامر غير الضرورية التي ترزحون تحت وطأتها.
أيها الشعب.. سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُعَداءَ لمستقبل أفضل.. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب. كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة، وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق بين دول العالم العربي.”

هذا الخطاب يُعد البيان التاريخي والوثيقة المؤسسة لمسيرة النهضة الحديثة، والذي تلخصت أبرز نقاطه في الوعد ببناء حكومة عصرية، وإلغاء الأوامر غير الضرورية، والسعي لإسعاد الشعب، إضافة إلى استعادة أمجاد عُمان ومكانتها.
لم تكن كلمات ألقيت في خطاب، بل وعدًا صادقًا أثبتته الأيام، حتى أصبحت تلك الكلمات عنوانًا لنهضةٍ غيّرت وجه عُمان.

كانت البدايات صعبة، والتحديات كبيرة، لكن الإيمان بالمستقبل كان أكبر. بدأت النهضة ببناء الإنسان، فكان التعليم والصحة في مقدمة الأولويات، ثم امتدت النهضة إلى الطرق والموانئ والمطارات ومختلف مرافق التنمية، حتى وصلت ثمارها إلى مختلف ولايات ومحافظات السلطنة. ولم يكن المواطن متلقيًا لهذه النهضة فحسب، بل كان شريكًا فيها، وصانعًا لنجاحها.

ولعل من أكثر العبارات التي اختزلت رؤية السلطان الراحل قابوس -طيب الله ثراه- قوله: “سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة” فقد أدرك -طيب الله ثراه- منذ البداية أن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعقول قبل الحجر.

لم يكن مستغربًا أن يحتفظ العُمانيون بمحبة خاصة لهذا القائد، فالمحبة الصادقة لا تُفرض، وإنما تنمو حين يرى الناس أثرها في حياتهم، وحين يشعرون أن قائدهم كان قريبًا من أحلامهم، حريصًا على مستقبلهم.
رحل السلطان قابوس -طيب الله ثراه-، ولم ترحل ذكراه من ذاكرة شعبه، ورغم رحيله لا تزال خطى التنمية مستمرة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-،
بخطى ثابتة، وروح أبوية تشبه روح من سبقه، يمد يده إلى كل مواطن، ويستمع إلى كل صوت، وكأنه يردد في سيرته “عُمان أمانة، والشعب عائلتي”.
لقد مضى بالنهضة إلى مرحلة جديدة، مستندًا إلى الإرث الراسخ الذي تركه السلطان الراحل، ومواكبًا لمتطلبات الحاضر من خلال رؤية عُمان 2040، والتي نرجو منها أن تمضي بالوطن نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومستقبل أرحب للأجيال القادمة.

رغم التحديات والأوضاع الراهنة، والمشكلات المتعلقة بملف التوظيف والمسرحين، وقلة الدخول،
والتي تسعى الحكومة بمؤسساتها لوضع الحلول المناسبة لها، ووضع آلية دائمة للحد من تراكمها، ونحن على ثقة في ذلك، ودائمًا نتفاءل خيرًا، وبإذن الله الخير قادم على عُمان وشعبها، فهذه الذكرى تذكرنا بما كانت عليه عُمان وما آلت إليه.

في الثالث والعشرين من يوليو لا نستحضر تاريخًا مضى فحسب، بل نستحضر قيمة الوفاء، ومعنى الانتماء،
لتبقى عُمان كما أرادها السلطان الراحل قابوس -طيب الله ثراه- وطنًا يحفظ للإنسان مكانته، ويواصل به مسيرة البناء، لأن المواطن هو أغلى ما تملكه هذه البلاد، وهو سر بقائها واستمرارها.

مجددين العهد مع كل ذكرى لهذا اليوم
أن نواصل بناء الوطن بين الوفاء للماضي والثقة بالمستقبل، وأن نبقى أوفياء لمن صنع المجد، ولمن حمل هذا المجد من بعده..

لتبقى عُمان أكبر من مناسبة، وأسمى من ذكرى، فهي قصة وطنٍ آمن بأبنائه، وآمن أبناؤه به.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights