مقالات صحفية

خلف كل صمت قصة طفل … نحو مركز وطني لحماية الطفولة

سالمة بنت هلال الراسبية

الإنسان لا يكون إنسانًا إلا حين يشعر بإحساس الآخرين، حين يرى الألم الذي لا يظهر على الوجوه، ويدرك أن بعض الجروح تعيش في صمت وصراع داخلي ، لا يعرف كيف يعبر عنه ، ولعل أكثر هذه الجروح عمقًا تلك التي يحملها الطفل عندما يفقد أحد والديه أو يعيش تجربة تفكك أسرته من صراخ او شتم او استهجان او مداولات بالمحاكم ، وغيرها ، فهو لا يفقد ترتيب حياته فقط، بل قد يفقد شعورًا أساسيًا بالأمان والانتماء، ويحتاج إلى من يراه ويسمعه قبل أن يتحول ألمه إلى أثر طويل في مستقبله.
أصبحت قضايا الأسرة اليوم قضية تنموية تمس الصحة النفسية والتعليم والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة. وتشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى 4208 حالة طلاق خلال 2025م مقارنة ب 4122 حالة خلال 2024م
. وهذه الأرقام قصص أسر تغير مسارها، وأطفال يحتاج بعضهم إلى احتواء متخصص يساعدهم على تجاوز الفقد والتكيف مع واقع جديد ..
وعلى ما سبق وما اثبتته الدراسات والبحوث، ارى ان هنالك حاجة ماسة اليوم لانشاء مركز وطني لحماية الطفولة وهو أيضا امتدادًا لمسار من البحث والكتابة والاقتراب من الواقع الاجتماعي.
فقد سبق أن تناولت موضوع تطوير المؤسسات الاجتماعية ، فقد نشأت جمعيات المرأة العُمانية في مرحلة تاريخية كان المجتمع فيها بحاجة إلى أطر أهلية تعزز مشاركة المرأة والعمل الاجتماعي والتطوعي، وقد أدت دورًا مهمًا في تلك المرحلة، إلا أن طبيعة التحديات الأسرية اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فلم تعد قضايا الأسرة تقتصر على التوعية العامة والبرامج الاجتماعية، والفعاليات الشعبية المكررة ، بل أصبحت ترتبط بالصحة النفسية، وآثار الطلاق على الأبناء، والتفكك الأسري، والتربية الوالدية، وحماية الأطفال من نتائج الأزمات الأسرية.
لذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى نقلة مؤسسية مختلفة؛.
ويمكن الاستفادة من بعض المباني القائمة باعتبارها أصولًا وطنية قابلة لإعادة التوظيف، دون أن يعني ذلك استمرار الهياكل الإدارية أو أساليب العمل السابقة. فالقيمة هي في نهاية المطاف ، الرسالة التي يحملها، وفي الفريق المتخصص القادر على صناعة أثر حقيقي يفيد المجتمع ويترك اثرا ويحمل عبئ كبير عن الأوطان..
إن هذه المراكز يجب أن تعمل وفق منظومة حديثة تجمع الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والمرشدين الأسريين، والذين اكثرهم يبحثون عن فرص وظيفية منذ سنوات رغم الحاجة الملحة لهم في هذا الوقت والمرحلة ، بحيث تتعاون هذه المراكز الموزعة على جميع الولايات ، مع المدارس والجهات الصحية والاجتماعية. فالمدرسة اليوم تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة انعكاسات المشكلات الأسرية على الطلبة، ولم يعد من الممكن أن يتحمل المرشد النفسي أو الاجتماعي المدرسي وحده كل هذه الحالات. وجود مركز متخصص سيكون سندًا للمدرسة، يوفر التدخل المبكر، ويتابع الحالات التي تحتاج إلى رعاية أعمق.
وقد تعززت هذه الرؤية من خلال المشاركة في البحث الميداني (التفكك الأسري وعلاقته بإدمان الأبناء للمخدرات من وجهة نظر المدمنين في سلطنة عُمان) بالتعاون مع الدكتورة جوخة الصوافي من جامعة الشرقية ، وأسماء بيت دشيشة من وزارة الثقافة والرياضة والشباب ، وبدعم من مكتب والي ولاية الكامل والوافي ممثلا بحملة خليك معانا، وبالتعاون مع وزارة الصحة وبيوت التعافي ومن خلال مقابلتي لحالات عاشت تجربة الإدمان والتعافي، ظهرت أهمية عوامل مثل التفكك الأسري، وتشتت الأبناء، وضعف الاحتواء الأسري في زيادة هشاشة بعض الأبناء عند غياب الدعم النفسي والاجتماعي المبكر..
كما شاركت في البحث الإجرائي( آثار الطلاق النفسية والسلوكية والتحصيلية على الأبناء)بالتعاون مع المشرفة فاطمة الهاشمي
بقسم التوعية والإرشاد الطلابي، والذي أكد أن الطلاق لا ينتهي عند لحظة الانفصال
انما قد تمتد آثاره إلى الجوانب النفسية والسلوكية والتحصيلية للأبناء، مما يجعل المتابعة المستمرة ضرورة لحماية مستقبلهم.

وتؤكد التجارب الخليجية والدولية أهمية هذا الاتجاه؛ ففي المملكة العربية السعودية قدمت مبادرة شمل نموذجًا متخصصًا لدعم الأطفال بعد الانفصال الأسري، إذ تضم مركزًا متخصصًا وقدمت أكثر من 36,600 ألف خدمة استفاد منها أكثر من 38 ألف مستفيد، بينهم 17 ألف طفل. وفي الإمارات وقطر تطورت خدمات الرعاية الأسرية والرؤية الآمنة والاستشارات العائلية عبر مراكز متخصصة.
بينما اعتمدت تجارب دولية في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا على مبدأ التدخل المبكر والتكامل بين الأسرة والمدرسة والجهات الداعمة. ولضمان نجاح التجربة في سلطنة عُمان، تحتاج هذه المراكز إلى إشراف مؤسسي واضح وميزانية مستقلة، بحيث لا تعتمد على المبادرات المؤقتة أو الجهود التطوعية فقط. ويمكن أن تعمل تحت مظلة وطنية معنية بالأسرة والتنمية الاجتماعية، مع مجلس إشرافي يضم قطاعات التنمية الاجتماعية والصحة والتعليم والعدل، إضافة إلى خبراء في التخصصات النفسية والاجتماعية، لضمان التكامل ووحدة الجهود.
يتوافق مشروع المركز الوطني لحماية الطفولة مع رؤية عُمان 2040 التي تضع الإنسان محورًا للتنمية، وتعزز جودة الحياة والحماية الاجتماعية. فهو يمثل امتدادًا وتطويرًا لجهود وزارة التنمية الاجتماعية، من خلال تعزيز الوقاية والتدخل المبكر قبل تفاقم التحديات الأسرية. ومع التحولات الاجتماعية المتسارعة، تبرز الحاجة إلى مظلة وطنية تجمع قطاعات التنمية الاجتماعية والصحة والتعليم والعدل والخبرات المتخصصة، لتقديم دعم متكامل يحفظ تماسك الأسرة ويصون مستقبل الأطفال. فالأسرة هي قصة إنسان تحتاج إلى من يسمعها ويساندها في الوقت المناسب. وتسريع دراسة هذا المقترح هو استثمار في الإنسان، وحماية لمستقبل مجتمع أكثر تماسكًا ورحمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights