فيّاض الكندي… وجعُ الرحيل وإلهامُ البقاء
خالصة الصلتي
يولد بعض الناس مرةً حين تستقبلهم الحياة، ثم يولدون من جديد حين تسكن سيرتهم ذاكرة الآخرين. وبين الميلادين يصنع الإنسان معنى وجوده، ويرسم بقراراته شكل حضوره، ويختار بالأثر الذي يتركه كيف تستمر حكايته بعد الرحيل.
هكذا عبر فيّاض الكندي هذه الحياة؛ شابًا حمل جسدًا أثقله المرض، وروحًا امتلأت بالشغف، وابتسامةً أوسع من الوجع. عاش سنواته بين العلاج والأحلام، وبين المستشفى وملاعب كرة القدم، وجعل من أيامه القصيرة رحلةً حافلة بالحضور والمحبة والإلهام.
عرفه الناس عاشقًا للرياضة، وصانعًا للمحتوى الكروي، وشابًا قريبًا من القلوب. كان يتحدث بعفوية، ويشارك جمهوره حماسه، ويركض خلف أحلامه بطاقةٍ تجعل المتابع ينسى حجم المعركة التي كان يخوضها في داخله. بدت ابتسامته وكأنها لغة أخرى للصبر، وبدت خطواته نحو النجاح كأنها انتصارات صغيرة يحققها في مواجهة أيام ثقيلة.
رافق المرض فيّاض منذ سنوات مبكرة، ورافقته معه نوبات الألم والعلاج والعمليات المتعددة. وقد صنعت هذه الرحلة وعيًا خاصًا بالحياة؛ وعيًا يجعل اللحظة ثمينة، والفرح قرارًا، والحلم نافذةً يطل منها الإنسان على عالم أرحب.
اختار فيّاض كرة القدم مساحةً يتنفس فيها الشغف، وصنع من المحتوى الرياضي جسرًا يصل به إلى الناس. كل مقطع نشره حمل شيئًا من روحه، وكل حلم حققه عبّر عن رغبة عميقة في عيش الحياة بكامل طاقتها. التقى بنجوم أحبهم، وشارك متابعيه تجاربه، وبنى لنفسه حضورًا تجاوز حدود المرض وأروقة العلاج.
كان يعيش الألم، ويمنح الآخرين الفرح. وكان يحمل في داخله معركةً يومية، ويظهر أمام جمهوره بقلبٍ يحتفي بالحياة. وتكمن قوة حكايته في هذا التوازن المدهش بين هشاشة الجسد وصلابة الروح، وبين قسوة التجربة ودفء الحضور.
ابتسامة فيّاض حملت رسالةً إنسانيةً عميقة؛ فالوجوه المشرقة قد تخفي خلفها حروبًا صامتة، والقلوب التي تمنح الفرح قد تحمل نصيبًا كبيرًا من التعب. لذلك تدعونا حكايته إلى الاقتراب من الناس برحمة، وإلى إدراك أن الكلمة الطيبة، والزيارة، والاهتمام، والدعاء، قد تتحول جميعها إلى قوة تسند إنسانًا في لحظاته الأصعب.
وحين وصلني خبر رحيله، عادت إليّ صورة أخي الصلت؛ فقد جمعهما المرض ذاته، وجمعت بينهما قدرة الروح على تحويل المعاناة إلى عطاء. عاش الصلت رحلته مع الألم، ثم أسس فريقًا تطوعيًا يحمل الخير إلى الآخرين. تحولت تجربته إلى مبادرات، وتحولت المبادرات إلى أثرٍ مجتمعي بقي حاضرًا بعد رحيله.
فيّاض حمل الكاميرا، والصلت حمل راية العمل التطوعي. اختلف المسار، والتقت الرسالتان عند معنى واحد: يستطيع الإنسان أن يصنع من تجربته بابًا يصل منه النور إلى حياة الآخرين.
وقد جعلني هذا التشابه أرى قصة فيّاض من زاوية أعمق. فالمرض يستطيع أن يوقظ في الإنسان وعيًا مبكرًا بقيمة العمر، وأن يمنحه حساسيةً أكبر تجاه آلام الآخرين، وأن يدفعه إلى البحث عن معنى يتجاوز حدود تجربته الشخصية. ومن هنا يتحول الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى رحمة، والرحمة إلى أثر.
تعلمنا قصة فيّاض أن الإرادة تتجسد في طريقة عيش الإنسان ليومه. تظهر حين يمنح يومه غاية، ويمنح موهبته فرصة، ويمنح أحلامه مساحةً للنمو. تتجسد الإرادة في اختيار الفرح وسط التعب، وفي صناعة الجمال وسط الظروف الصعبة، وفي مواصلة الطريق بقلبٍ يعرف قيمة كل خطوة.
كما تفتح حكايته بابًا واسعًا للحديث عن أصحاب الأمراض المزمنة، وعن طاقاتهم وأحلامهم وحاجتهم إلى مجتمع يحتضنهم بالوعي والتقدير. فالمريض يحمل هويةً إنسانية كاملة؛ يحمل موهبة، وطموحًا، ورسالةً، وقدرةً على الإنتاج والتأثير. وقد قدم فيّاض مثالًا حيًا لشاب صنع اسمه، وحقق حضوره، ووصل إلى جمهوره، وكتب حكايته بطريقته الخاصة.
ويحمل رحيله رسالةً إلى صنّاع المحتوى أيضًا؛ فالمحتوى يستطيع أن يصبح أثرًا إنسانيًا، والظهور أمام الناس يستطيع أن يتحول إلى مساحة للأمل، والمنصة تستطيع أن تحمل قيمةً أبعد من الشهرة. لقد استخدم فيّاض حضوره ليشارك شغفه، وصارت عفويته جزءًا من ذاكرة جمهوره، وصارت ابتسامته صورةً مرتبطة باسمه.
تكشف لحظة الرحيل مقدار الحضور الذي صنعه الإنسان في حياته. وحين امتلأت المنصات بالدعاء لفيّاض، ظهر حجم المحبة التي زرعها في القلوب. شعر كثيرون بأنهم فقدوا شخصًا قريبًا، مع أن العلاقة بينهم وبينه تشكلت عبر شاشة. فالصدق يختصر المسافات، والروح الصافية تعبر الحواجز، والمشاعر الحقيقية تصل إلى الناس وتستقر في وجدانهم.
هنا يصبح الأثر حياةً يختارها الإنسان بعد الموت. يختارها عبر كلمة غرسها، أو مشروع أسسه، أو حلم أيقظه في قلب إنسان، أو فرح صنعه في يوم ثقيل. فالعمر المكتوب للإنسان ينتهي، بينما يستمر العمر الذي بناه في قلوب الآخرين.
يواصل فيّاض حياته في المقاطع التي تحمل ضحكته، وفي الذكريات التي جمعته بأحبته، وفي كل شاب تعلّم من قصته أن يطارد حلمه، وفي كل مريض وجد في ابتسامته قوةً تعينه على يومه. ويواصل الصلت حياته في فريقه التطوعي، وفي الأعمال التي حملت رسالته، وفي القلوب التي تعلّمت منه معنى المبادرة.
بهذا المعنى يصبح الرحيل بدايةً أخرى للحكاية. يتحول الإنسان إلى سيرة تُروى، وإلى قيمة تُورث، وإلى دعاءٍ يسكن القلوب. ويغدو اسمه حاضرًا كلما امتدت يد بالخير، أو أضاءت ابتسامة وجهًا متعبًا، أو نهض إنسان لتحقيق حلمه رغم الألم.
رحل فيّاض في عمرٍ صغير، وترك أثرًا واسعًا. وهذه المفارقة تذكّرنا بأن قيمة الحياة تسكن في عمقها، وأن بعض الأعمار القصيرة تحمل من المعنى ما يفوق أعمارًا طويلة. فالأيام تكتسب قيمتها بما نضعه فيها من حب، وعمل، وشغف، ورحمة.
لقد كتب فيّاض سيرته بابتسامته، وكتب الصلت سيرته بعطائه. وكلاهما قدّم درسًا في صناعة الحياة من قلب المعاناة. جسدان أتعبهما المرض، وروحان اختارتا أن تمنحا العالم شيئًا جميلًا.
رحم الله فيّاض الكندي، ورحم أخي الصلت، وجعل أوجاعهما رفعةً، وأثرهما نورًا ممتدًا، وذكراهما حياةً تتجدد في القلوب.
لقد رحل فيّاض مُلهِمًا، وبقي أثره شاهدًا على أن الإنسان يستطيع أن يصنع من الوجع رسالة، ومن العمر معنى، ومن الرحيل حياةً أخرى.


