مقالات صحفية

فلسفة الحب

 

حسين محمد

من أكثر الكلمات حضورًا في الشعر والقصص والروايات كلمة “الحب”، حيث تُعد الكلمة الأكثر استخدامًا وتداولًا. ولكن يختلف معناها عند كل شخص؛ فكل شخص يرى الحب من زاوية. هناك من مرَّ بعلاقة حب فاشلة، فهو يحمل نظرة سوداوية تجاه الحب، وهناك من لديه تجربة جيدة مع الحب، فيصفه بأنه الإكسير في حياته. وهناك المحايد الذي لم يحظَ بهذه التجربة، فتجده لا يميل إلى هؤلاء ولا إلى أولئك. وهناك من يحب، ويجهل محركات هذا الحب، والدافع الذي يدفعه إليه. فهل نحب لأننا نحب؟ أم نحب من أجل احتياج؟ أم غريزة؟ وهل كلمة “أحبك” التي نعرفها اليوم تعبِّر فعلًا عن الحب، أم هي تعبير مجازي عن الحب؟

إن الذي يقرأ كتابًا اليوم، ثم يعيد قراءته للمرة الثانية، ستصله مفاهيم كأنه يقرأ الكتاب لأول مرة.

ولعل هذا هو السؤال الذي راودني اليوم، في لحظة تفكر ووقفة تأمل طويلة أمام كلمة “أحبك”.

ومن روائع جورج خباز قصيدة «بحبك» في مسرحية «بالكواليس»، وهو مشهد جميل، ويراه البعض مؤثرًا، يقول:

بحبك قد ما الإيد بتحب الخصر
بحبك قد ما السيف بحب النصر
بحبك قد ما الختيار بحب الصبح
بحبك قد ما الطيور بتحب الهجر
بحبك قد ما النور بحب الفجر
بحبك قد ما الكلمة بتحب الأبد
بحبك قد ما اللذة بتحب الجسد
بحبك قد ما الطيبة بتحب الولد
بحبك قد ما بلادي بتحب الحسد
بحبك قد ما العدل بحب الميزان
بحبك قد ما الوقت بحب الزمان
بحبك قد ما القوي بحب الخطر
بحبك قد ما الزرع بحب المطر
بحبك قد ما الريح بتحب الشجر
بحبك قد ما الموت بحب البشر

الكثير قد يكتفي بجمالية النص، لكن الذي شدني أكثر هو: هل قد يحب المرء حبًا كهذا؟ وهل حب كهذا هو حب حيواني، كما قال الفلاسفة، أم حب تجرد من الأنانية، كحب الدراويش؟

وهنا بدأ السؤال يدفعني إلى الغوص في الأعماق، بدلًا من السباحة على السطح؛ إذ إن الأجوبة تحتاج إلى غواص ماهر، ليس بدافع الصيد والتصيد، وإنما بدافع المعرفة، والحصول على الجواب المطلوب من السؤال المطروح.

إن الذي يعبد الله على علم ليس كمن يعبده على جهالة؛ لأن الجاهل لم يكلِّف نفسه عناء السؤال. والفرق الذي جعل العالم أكثر علمًا من الجاهل هو السؤال.

ومن هنا برز لدي سؤال آخر: ما الحب الذي نقصده هنا؟

الحب الذي نقصده هو الميل الباطني والقلبي نحو المحبوب، ويقابله البغض والكراهية. وهو عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سُمِّي حبًا.

ويُحكى أن الحاخام أبراهام تويرسكي صادف شابًا كان يستمتع بتناول طبق سمك، فسأله: «يا بني، لماذا تأكل هذا السمك؟» فأجاب الشاب: «لأنني أحب السمك!». فقال له: «أنت تحب السمك، ولهذا أخرجته من الماء، وقتلته، وسلقته!؟ لا تقل لي إنك تحب السمك، أنت تحب نفسك؛ ولأن طعم السمك لذيذ بالنسبة لك، فقد أخرجته من الماء، وقتلته، وسلقته».

الكثير مما يُسمى حبًا هو، في الحقيقة، حب للسمك.

وانطلاقًا من هذه الفكرة، يرى أن وقوع شاب وفتاة في الحب قد يعني أن كلًا منهما وجد في الآخر ما يُشبع رغباته أو احتياجاته؛ فهو يرى فيها من تُشبع احتياجاته الجسدية والنفسية، وترى فيه من يصلح للزواج ويحقق احتياجاتها. وبهذا المعنى يصبح الآخر وسيلة لإشباع الرغبات، لا غاية في ذاته. ولذلك فإن كثيرًا مما يُسمى حبًا ليس إلا حبًا سطحيًا.

ومن هنا كان لا بد من الوقوف عند مفهوم الحب كما تناوله بعض الفلاسفة والمفكرين.

اعتبر الفيلسوف جان جاك روسو أن الحب قوة معدية، وقدم فرضية دعمها شوبنهاور لاحقًا، وهي أن:
«الحب شعور اصطناعي، ولَّده استخدام المجتمع له، واحتفت به النساء بالكثير من الإقبال والعناية، كي يؤسسن لمملكتهن، وليجعلن من أنفسهن الجنس المسيطر الذي تجب له الطاعة».

ومع ذلك، لم يطلب أن نتخلى عن أوهام الحب؛ لأنه، بالنسبة له، يحوي حقيقة واحدة تتمثل فيما يولده فينا من شعور بالجمال الحقيقي الذي يجعلنا نحب، فحتى أكثر النساك ورعًا ليسوا في مأمن من أن يصيروا أطفالًا صغارًا أمام امرأة جميلة.

أما المطرقة نيتشه، فيرى أن الحب عبارة عن قوة غريزية يحركها احتياجنا البيولوجي والثقافي، وعلى هذا النحو لا يمكن اعتباره حسنة، بل يرى أن الحب هو الأنانية في أكثر صورها سذاجة.

ويبين نيتشه أن الرغبة في الامتلاك والاستيعاب، وإدخال «شيء جديد إلى أنفسنا»، هي ما يحرك كلًا من الحب والطمع، فيقول:
«الطمع والحب: يثير كلا المفهومين مشاعر مختلفة لدينا! ومع ذلك، قد تكون الغريزة نفسها لها اسمان مختلفان فقط…».

وبعبارة أخرى، تحرك الغريزة نفسها كلًا من الحب والطمع، معتمدة على مدى الإشباع الذي تحققه، فتختار مسمى إما “حب” أو “طمع”. لذلك فإن الحب، كشهوة، هو رغبة في التملك، تمجيدها وتأليهها بواسطة الذين يبحثون عن شيء لإثراء أنفسهم.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما ذهب إليه الدكتور مصطفى محمود، الذي يرى أن الحب عاطفة غير ديمقراطية، أي إنه شعور ديكتاتوري، وأن الحب الذي ينقلب بسرعة من غرام ملتهب إلى كراهية ملتهبة هو الحب الشهواني الصغير، الضيق الأفق، الذي لا يحالفه الفهم والعقل.

واستدل بأن القرآن الكريم، عندما ذكر العلاقة بين آدم وحواء، قال تعالى: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، ولم يجعل العلاقة قائمة على الحب وحده.

وعندما قال تعالى، على لسان نسوة المدينة عن امرأة العزيز: ﴿قد شغفها حبًا﴾، فإن الحب هنا، بين طرفين من جنسين مختلفين، أتى في موطن سيئ، وفي علاقة محرمة؛ لأن قولها: ﴿هيت لك﴾ كان الدافع إليه غريزيًا.

وانطلاقًا من ذلك، أرى أن الكلمة الأكثر صدقًا، ودون تزييف، هي أن تقول: “أودك” بدلًا من “أحبك”، وأن كلمة “أودك” أكثر صدقًا، أو أسمى شعورًا، من كلمة “أحبك”.

إذ يقال إن أول من قال: “أحبك” كان يريد أن يقول: “أشتهيك”، أو بمعنى آخر: “أرغب في امتلاكك”.

بعد كل هذا، أرى أن الحب لا ينشأ من الحاجة وحدها، ولا من الغريزة وحدها، ولكنه قد يبدأ منهما، ثم إذا حكمناه سما إلى الرحمة والمودة واللامشروط؛ لأنه إذا اقتصر على التملك نزل إلى الشهوة، وإذا تجاوز الأنانية والتملك صار ودًا.

فالحب جذوة تنطفئ، والود باقٍ سرمدي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights